قضايا وآراء

حروب الغاز والتدفئة في أوروبا

هاني بشر
عربي21
يلعب الطقس دورا محوريا في الصراعات الأوروبية، وهو جزء من المعادلة الجيوسياسية لهذه المنطقة من العالم، فإذا حدث نزاع حربي في هذه القارة فإن فصل الشتاء يكون حاسما غالبا لترجيح كفة هذه القوى أو تلك. وقد استخدمت روسيا سلاح البرودة سابقا في الحرب العالمية الثانية حين غزت ألمانيا النازية بقيادة هتلر الاتحاد السوفييتي، ولم يستطع الجيش الألماني احتمال برودة الطقس الروسي فكان عاملا حاسما في استسلام القوات الألمانية التي دخلت مدينة ستالينغراد السوفيتية حينئذ. وبذلك حسم الطقس واحدة من المعارك الفاصلة في الحرب العالمية الثانية.

لقد تعللت روسيا قبل أيام بعطل في أحد توربينات خط أنابيب الغاز التابع لشركة غازبروم الروسية عبر "نورد ستريم-1" الذي يضخ الغاز لأوروبا، وأضافت أن الأمر سيستغرق ثلاثة أيام. مرت المدة ولم يعد الغاز إلى الأنابيب، مما أضفى شكوكا على نية روسيا في معاقبة أوروبا قبل حلول فصل الشتاء وهو السلاح الذي لوحت به دائما.
هذه الخطوة بهذه الطريقة تهدف إلى إثارة الأسواق والرأي العام الأوروبي ضد الحكومات هناك من دون إلقاء اللوم المباشر على موسكو، كون الأمر ظاهريا مؤقتا ويتعلق بإجراء إصلاحات. يعزز من هذه الفرضية ردود الفعل التي تبعت القرار مباشرة مثل خروج نحو سبعين ألف متظاهر في احتجاجات اندلعت في إحدى عواصم الاتحاد الأوروبي، وهي براغ عاصمة التشيك

والأرجح أن هذه الخطوة بهذه الطريقة تهدف إلى إثارة الأسواق والرأي العام الأوروبي ضد الحكومات هناك من دون إلقاء اللوم المباشر على موسكو، كون الأمر ظاهريا مؤقتا ويتعلق بإجراء إصلاحات. يعزز من هذه الفرضية ردود الفعل التي تبعت القرار مباشرة مثل خروج نحو سبعين ألف متظاهر في احتجاجات اندلعت في إحدى عواصم الاتحاد الأوروبي، وهي براغ عاصمة التشيك، ضد أسعار الطاقة التي ارتفعت، كما هاجموا الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي. المتظاهرون طالبوا بلادهم بالوقوف على الحياد وإبقاء العلاقات مع روسيا، وهو عين ما تريد أن تراه موسكو في كل عاصمة أوروبية. إذا أضفنا لذلك اتهام رئيس الوزراء التشيكي بيتر فيالا للمتظاهرين بأنهم موالون لموسكو وأنهم يقوضون مصالح الدولة، يمكن أن نفهم الصورة كاملة.

يمكن تقسيم التأثير قصير المدى لانقطاع أو نقص الغاز الروسي على الاتحاد الأوروبي إلى قسمين؛ أولهما هي دول أوروبا الغربية في الاتحاد مثل ألمانيا وفرنسا وبلجيكا والدنمارك، وهذه الدول هي الأقل تأثرا لأنها تمتلك ما يربو على ثمانين في المائة من تخزين الغاز، وثانيهما دول شرق أوروبا في الاتحاد مثل بلغاريا والمجر ولاتفيا، وهي دول أكثر تأثرا لأنها تعاني من نقص في التخزين، إذ تبلغ سعتها التخزينية حاليا من خمسين إلى ستين في المائة فقط. ولهذا فإن التأثير السلبي في دول أوروبا الشرقية سيكون أكبر، وهو عين ما تريده موسكو أيضا في إطار أطماعها التي لا تخفيها في الدول سابقة العضوية في حلف وارسو، والتي خضعت للنفوذ السوفيتي سابقا قبل انتهاء الحرب الباردة.
الأرجح أن عدم حسم الحرب الأوكرانية واستمرار العقوبات على موسكو سيزيد من رقعة الصراع الأوروبي-الأوروبي. وهو صراع ما يزال يدور في فلك عمليات عض الأصابع، لكون كل طرف يملك من أوراق الضغط ما يستطيع أن يؤلم به الطرف الآخر

هل يعني هذا أن المعركة السياسية والاقتصادية للدول الغربية مع روسيا ستنتقل إلى الداخل الأوروبي في الشتاء؟ ربما، لكن الأرجح أن عدم حسم الحرب الأوكرانية واستمرار العقوبات على موسكو سيزيد من رقعة الصراع الأوروبي-الأوروبي. وهو صراع ما يزال يدور في فلك عمليات عض الأصابع، لكون كل طرف يملك من أوراق الضغط ما يستطيع أن يؤلم به الطرف الآخر.

ويخلو هذا الصراع من أية أصوات عاقلة تدعو لاتباع السبل الدبلوماسية المعتادة لاحتوائه، وهو المنهج الذي طالما نادى به الاتحاد الأوروبي الدول الأخرى، والأدهى أنه يجنح بقوة نحو التمحور حول الاستقطاب الأيديولوجي بين معسكرين. وفضلا عن خطورة هذا الاستقطاب ونتائجه الكارثية في التاريخ خاصة خلال الحرب العالمية الثانية، فإنه استقطاب هش لأنه لا يقوم على أية أيديولوجيات حقيقية، وإنما محاولة لإلباس الصراع بعض الأثواب الشوفينية والأيديولوجية، مما لا يبشر بأي خير.

twitter.com/hanybeshr
النقاش (0)