كتاب عربي 21

قراءة في تصريحات أردوغان الأخيرة

إسماعيل ياشا
مقال
مقال

دخلت العلاقات التركية-اليونانية مرحلة جديدة، بعد أن أعلنت أنقرة، على لسان رئيس الجمهورية التركي رجب طيب أردوغان، أن اليونان تحتل مجموعة من الجزر في بحر إيجة، في إشارة إلى الجزر المتنازع عليها، بالإضافة إلى تحذيره قائلا: "لا نعترف باحتلالكم للجزر، سنقوم بما يلزم عندما يحين الوقت، يمكننا أن نأتي على حين غرة ذات ليلة".

هذه الجملة الأخيرة المتعلقة بالمجيء على حين غرة، يطلقها الرئيس التركي غالبا قبيل العمليات العسكرية التي يقوم بها الجيش التركي في شمال العراق وشمال سوريا ضد حزب العمال الكردستاني. وهي تبدي حجم غضب أنقرة من التحرشات اليونانية، كما أنها تشير إلى تصعيد أنقرة لهجتها ضد أثينا، وتحوُّل في خطاب تركيا وتعاطيها مع تجاوزات جارتها المدللة.

تركيا حتى الأمس كانت تكتفي بالاحتجاج على انتهاك اليونان للاتفاقيات من خلال تسليح الجزر، إلا أنها الآن تطرح سيادة اليونان على الجزر للنقاش، وتعتبر تلك الجزر "محتلة"، كما أنها تلمح إلى احتمال قيامها بعمليات عسكرية لاستعادتها. ومن المؤكد أن هذا التحول في الخطاب التركي سيزعج أثينا كثيرا، وسيدفعها إلى الشعور بالخوف من فقدان سيطرتها على جزر إيجة في المستقبل.

تصريحات الرئيس التركي ليست تصعيدا عابرا، بل هي سياسة مدروسة تهدف إلى الضغط على الحكومة اليونانية، كما تبعث رسالة إلى أثينا وحلفائها مفادها أن تركيا مستعدة للذهاب إلى أقصى حد في لعبة عض الأصابع

تصريحات الرئيس التركي ليست تصعيدا عابرا، بل هي سياسة مدروسة تهدف إلى الضغط على الحكومة اليونانية، كما أنها تبعث رسالة إلى أثينا وحلفائها مفادها أن تركيا مستعدة للذهاب إلى أقصى حد في لعبة عض الأصابع. وهي سياسة يدعمها حلفاء حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، كحزب الحركة القومية الذي أعلن موقفه رئيس الحزب، دولت بهتشلي، حين صرح بأن ما ذكره أردوغان صحيح، وأن "عبور بحر إيجة سهل للغاية".

الرئيس التركي قال في 30 آب/ أغسطس في كلمته في احتفالات يوم النصر، إن اليونان ليست ندا لبلاده، لا سياسيا ولا اقتصاديا ولا عسكريا. وجدد قوله هذا، الاثنين، عقب اجتماع الحكومة التركية بالمجمع الرئاسي، ليذكِّر أثينا بحجمها الحقيقي، ويؤكد أن تصريحاته موجهة في ذات الوقت إلى تلك القوى التي ترى أنقرة أنها تحرِّض اليونان ضد تركيا.

اليونان "المفلسة" تحلم بتفوق عسكري على تركيا، إلا أنها مهما اشترت -أو مُنحت- من أسلحة وذخائر فإن قوتها العسرية لا يمكن أن تبلغ قوة تركيا التي حققت قفزة نوعية في صناعاتها الدفاعية، وباتت تقوم بتطوير مركباتها البحرية وطائراتها المسيرة ومروحياتها الهجومية وسفنها الحربية وأنظمتها الدفاعية.

تصريحات أردوغان هذه جاءت قبيل جولته التي تشمل البوسنة والهرسك وصربيا وكرواتيا. ولا يخفى على المتابعين لشؤون البلقان أن الدور التركي يتصاعد في تلك المنطقة الحساسة للغاية، كعامل أمن واستقرار يتواصل مع الجميع ويسهم في تخفيف التوتر. كما أن التوازن الذي حققته تركيا في علاقاتها مع طرفي الصراع في أوكرانيا جعلها تلعب دورا كبيرا في تخفيف أزمة الغذاء العالمية من خلال تصدير الحبوب من موانئ أوكرانيا إلى دول العالم. وتزيد مثل هذه الأدوار ثقل تركيا في المعادلات الإقليمية والدولية، وترفع مكانتها السياسية التي لا يمكن أن تبلغها اليونان بوضعها الحالي.

هناك تجاوزات كثيرة انتهكت فيها اليونان الاتفاقيات والقانون الدولي، ومن أهم تلك التجاوزات المسكوت عليها، احتضان اليونان معسكرا لحزب العمال الكردستاني والتنظيمات اليسارية المتطرفة التي تستهدف أمن تركيا واستقرارها، وهو معسكر "لافريون" الذي أصبح يضاهي معسكرات المنظمة الإرهابية في جبال قنديل بشمال العراق.
أنقرة ستفتح كافة الملفات المتعلقة بانتهاكات اليونان للقانون الدولي والاتفاقيات بدءا من ملكية الجزر وتسليحها، وصولا إلى دعم أثينا للتنظيمات الإرهابية التي تهدد أمن تركيا، لتسليط الضوء على حجم التجاوزات اليونانية

وزارة الداخلية التركية أعلنت، الأحد، في بيان، عن توقيف إرهابي في مدينة إسطنبول ينتمي إلى حزب العمال الكردستاني، وتدرب في معسكر "لافريون" على صناعة المتفجرات وتنفيذ العمليات التخريبية، مشيرة إلى أنه دخل البلاد بطريقة غير قانونية، بهدف القيام بعمليات إرهابية في المدن الكبرى بناء على أوامر المنظمة الإرهابية.

اليونان لا تستضيف عناصر حزب العمال الكردستاني والتنظيمات اليسارية المتطرفة فحسب، بل وأصبحت أهم ملجأ لعناصر الكيان الموازي، التنظيم السري لجماعة غولن التي قامت بمحاولة الانقلاب الفاشلة في 15 تموز/ يوليو 2016، وتستقبل عناصر هذا التنظيم بكل سرور، وتقدم لهم دعما لوجيستيا، وتسهل هروبهم إلى دول أوروبية أخرى، فيما تمنع الأطفال والنساء السوريين والأفغان وغيرهم من دخول أراضيها، حتى لو كانوا يواجهون خطر الموت غرقا في مياه بحر إيجة.

أنقرة ستفتح كافة الملفات المتعلقة بانتهاكات اليونان للقانون الدولي والاتفاقيات بدءا من ملكية الجزر وتسليحها، وصولا إلى دعم أثينا للتنظيمات الإرهابية التي تهدد أمن تركيا، لتسليط الضوء على حجم التجاوزات اليونانية. ومن أهم تلك الملفات ذاك المتعلق بحقوق الأقلية التركية المسلمة في تراقيا الغربية. ويستعد المسلمون في تراقيا الغربية هذه الأيام لانتخاب مُفتين لهم، في تحدٍ لأثينا التي تريد أن تضرب باتفاقية لوزان عرض الحائط، وتسعى إلى تحويل دار الإفتاء إلى مؤسسة تابعة للحكومة اليونانية.

 

twitter.com/ismail_yasa
النقاش (0)