الذاكرة السياسية

صفحات من سيرة السياسي اليمني الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر (7)

الأحمر لم يغدر الرئيس الحمدي الذي قتلته استراتيجيته الخارجية

الرئيس اليمني الأسبق إبراهيم الحمدي والشيخ عبد الله الأحمر
الرئيس اليمني الأسبق إبراهيم الحمدي والشيخ عبد الله الأحمر

على الرغم من مرور ما يقترب من نصف القرن على اغتياله، مازال مقتل المقدم إبراهيم الحمدي رئيس الجمهورية اليمنية (1974 ـ 1977) يناقش بحماس وإثارة وبنفس ثأري، وكأنه اغتيل البارحة، كما أسلفنا في الحلقة الفائتة. 

والسبب في ذلك ينقله أحد رفاق الحمدي اللواء الناصري حاتم أبو حاتم في مذكراته، إذ يقول؛ إنه "حقق إنجازات كبيرة جدّا للشعب اليمني، حيث بنى مؤسسات ووزارات، وشق الطرقات في كثير من مناطق اليمن، إضافة إلى نشر التعليم في عموم البلاد، وعمل على تحسين الوضع المعيشي للناس، واهتم بالمواطن اليمني، سواء في الداخل أو في دول الاغتراب، وغيرها من المنجزات التي تم تحقيقها في فترة زمنية قصيرة جدّا. وهذا كله، جعل الشعب اليمني يحزن عليه حتى يومنا هذا" (موقع "خيوط" الإلكتروني، الحلقة الثانية، نيسان / إبريل 2022). 

وهذا ما أكده أيضا الشيخ عبد الله الأحمر، أحد خصومه المعلنين: "كان ما يطرحه الحمدي يلقى تجاوبا من الشباب والمثقفين داخل اليمن وخارجه، خاصة أنه كان خطيبا مفوها ومؤثرا" (مذكرات الشيخ عبد الله الأحمر ص228).
 
لو أراد اللواء أبو حاتم أن يكمل السيرة، لربما قال؛ إن الحمدي تجرأ على تغيير سياسة اليمن الخارجية، وصولا إلى اتخاذ إجراءات تنفيذية من أجل توحيد شمال وجنوب اليمن. وتمتد السياسة الخارجية المختلفة التي اعتمدها الراحل إلى المجالين الإقليمي والدولي، وما يؤسف له أن هذا الجانب ضئيل الحضور لدى نقاش قضية الحمدي. بل أرجح أن تكون السياسية الخارجية هي التي تسببت في اغتياله، رغم أهمية إجراءاته الداخلية، كما لاحظنا للتو.

لجنة تحقيق وطنية

الحق أن قضية اغتياله ظلت يمنية محلية، في حين تحولت قضايا مشابهة كاغتيال الرئيس الأمريكي جون كينيدي ورئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري إلى قضايا دولية أو إقليمية، وشكلت من أجلها محاكم في محاولة للإجابة عن أسئلة الجريمة المعلقة. وما أراه، هو أن اليمنيين لن يكفوا عن طرح هذه القضية ما دامت الأجوبة الحقيقية حولها لم ترتسم بعد، ولم ينعقد حولها إجماع أو شبه إجماع يمني. وأرى في هذا الصدد، أن على اليمنيين من كل الفئات، أن يشكلوا هيئة مركزية يمنية تضع تقريرا فاصلا حول هذه القضية، تستند إليه الأجيال القادمة في اعتماد سردية وطنية لفترة مهمة في تاريخ اليمن السياسي.

يختصر الشيخ سنان أبو لحوم عملية اغتيال الحمدي بالعبارة التالية: "دخل الحمدي إلى بيت المقدم أحمد الغشمي ولم يخرج منه...". هذه الخلاصة تحظى بإجماع كل الفئات. وينعقد الإجماع أيضا حول التظاهرة الكبيرة التي تلت الاغتيال ونشرت تفاصيلها الصحف اليمنية، التي ذكرت الهتاف الأساسي للمتظاهرين: "أين الحمدي يا غشمي. أنت القاتل يا غشمي". 

 

                   الرئيس إبراهيم الحمدي ونائبه أحمد الغشمي

وتتعزز هذه الخلاصة ببلاهة التحقيق في عملية الاغتيال التي نسبت إلى أصوليين لا أسماء ولا عناوين لهم. وفي حديث منشور، ذكر لي الشيخ عبد الله الأحمر أنه اتصل بالمقدم أحمد الغشمي وأرسل له رسالة عبر السيد علي شويط، قال فيها: "تغطيتكم للجريمة غير مشرفة. يجب أن تتبنوا الانقلاب الذي قمتم به وتعلنوا مبرراته، وتكفوا عن البكاء والتظاهر بالبراءة بطريقة مخجلة". هذا الإجماع حول سياق الجريمة في الداخل، يستدعي المقارنة مع سياقها الخارجي، وهو الأهم كما أشرنا للتو.

اغتيال الملك فيصل 

بعد اغتيال الملك فيصل عام 1975، مرّتْ المملكة العربية السعودية بفترة انتقالية تولاها الملك خالد بن عبد العزيز، الذي كان قد ترأس وفد بلاده لتوقيع "اتفاقية الطائف" بين اليمن الإمامية والمملكة العربية السعودية عام 1934 م. وكان اليمن من البلدان القليلة التي يعرفها الملك الراحل ولديه خبرة، كأخيه الملك فيصل، بشؤونها الداخلية، لكنه كان أقل تظاهرا بمواقفه السياسية من أخيه المغدور، الذي كان يجاهر بأن تحرير القدس هو واجب من واجبات المملكة وأولوية من أولوياتها. وكان الملك فهد وليا لعهد الملك خالد، ومؤثرا كبيرا في سياسة بلاده الخارجية، وسيكون شقيقه سلطان بن عبد العزيز المشرف على الملف اليمني في إدارة المملكة، وسيبقى مشرفا على هذا الملف حتى وفاته.

في الفترة الانتقالية بين فيصل وفهد، كانت المملكة تتطلع إلى الحمدي بوصفه رئيسا قويا لبلد يحترم سياساتها الخارجية منذ خروج مصر من المعادلة اليمنية، لذا دعمت الحمدي باعترافه واعتراف الشهود البارزين لتلك الفترة، وذلك إلى حد أن العميد محمد الإرياني قائد الجيش في عهد القاضي عبد الرحمن، يكشف في مذكراته أن أعضاء مجلس القيادة الذي ترأسه الحمدي وكان يضم 51 عضوا، "تلقوا من السعودية مساعدات مالية وبعضهم تلقى رواتب شهرية، وحصلوا أيضا على مساعدات مالية من العراق". ومن نافل القول بأن المساعدات العراقية ستتوقف بعد إقالة الضباط البعثيين: آل أبو لحوم ومجاهد أبو شوارب، فضلا عن رئيس الوزراء محسن العيني.

 

                      إبراهيم الحمدي مع سالمين ونميري وسياد بري

صادفت هذه الإقالة ارتياحا كبيرا في الرياض التي بذلت جهودا لتحقيق المصالحة بين الشيخ عبد الله الأحمر والحمدي دون نجاح يذكر. وإذ فشلت هذه المساعي، بادر الرئيس الحمدي إلى حشد مؤيديه في المناطق الوسطى، وجعل مدينة تعز مركزا لأنشطته ومن ثم الاتصال بالحكومة الماركسية في عدن، لمساعدته في مواجهة الشيخ الأحمر والمشايخ الآخرين، الذين شن عليهم حربا مفتوحة، وبدا أنه يريد أن يكون لاعبا مستقلا في محيطه العربي.

الركن اليماني 

تفيد مصادر عديدة، أن الحمدي أظهر في النصف الثاني من عهده، قدرا كبيرا من التحدي للمملكة العربية السعودية، عندما قال للمسؤولين السعوديين؛ إن حدود اليمن تبدأ من "الركن اليماني" في الكعبة المشرفة، وأن حدود السعودية تبدأ من الجامع الكبير في صنعاء. نحن جميعا بلد واحد". هذه اللغة لم يسمعها السعوديون من مسؤول يمني جمهوري من قبل؛ فقد اعتادوا أن تعرض عليهم تشكيلة الوزراء في الحكومات اليمنية للتأكد من خلوها من الشخصيات المعادية للمملكة.

زادت هذه السياسة إزاء المملكة العربية السعودية وجنوب اليمن، فضلا عن تبريد جبهة المناطق الوسطى، زادت التباعد بين الحمدي من جهة والشيخ عبد الله الأحمر ومجاهد أبو شوارب والشيخ المطري والشيخ أبو لحوم من جهة أخرى. وبدا واضحا أن الحمدي يريد بناء دولة مناهضة للمشيخة والمشايخ والقبائل عموما، على غرار دولة جنوب اليمن، لكن من دون أيديولوجيتها، دولة ربما تكون قريبة من تلك التي أراد السلال والمصريون بناءها في اليمن. ولعل مهمته كانت أسهل لو لم يتخلص هو والمشير حسن العمري من فرقة الصاعقة والمظلات (في عهد القاضي الإرياني)، التي بناها المصريون ضد نفوذ المشايخ، ومن ثم إقامة سلطة مدنية لا تتقاسم وظائفها مع مراكز القوى القبلية.

ذهب الحمدي بعيدا في هذا الاتجاه عندما اتخذ مبادرات مهمة في العالم العربي، من بينها الدفع باتجاه تشكيل قوة ردع عربية للفصل بين المتحاربين في لبنان خلال الحرب الأهلية الأولى (1975 ـ 1976). محاولة التوسط في قضية الصحراء بين المغرب والجزائر. الاقتراب من الاتحاد السوفييتي. وفي السياق، أعلن عن نية بلاده تشكيل نظام أمني إقليمي في البحر الأحمر. وكانت هذه النية صريحة عندما قدم الحمدي دعما للجيبوتيين الراغبين في تحقيق استقلال بلادهم (27 حزيران ـ يونيو عام 1977) عن فرنسا، مستندا إلى الجالية اليمنية الكبيرة المستقرة في جيبوتي منذ القرن التاسع عشر، وإلى نفوذ التجار اليمنيين الذي يحتلون مواقع أساسية في اقتصاد هذا البلد، الأمر الذي لم يكن محل ترحيب من طرف الفرنسيين، الذين سيمنحون الاستقلال لـ "جيبوتي" من دون تغيير يذكر في موقعهم الاستراتيجي وقاعدتهم العسكرية في هذا البلد.

في عنوان مهم من عناوين سياسته الخارجية، عقد الحمدي في آذار (مارس) عام 1977 قمة في تعز للدول العربية المشاطئة للبحر الأحمر، جمعت سودان جعفر النميري وصومال محمد سياد بري وجنوب اليمن بقيادة سالم ربيع علي. لم تشارك السعودية في هذه القمة التي ضمت دولا عربية ثلاثة، تحتفظ بعلاقات قوية مع الاتحاد السوفييتي، فضلا عن شمال اليمن الذي استضاف القمة وكأنه يعلن اقترابه من المعسكر السوفييتي، ولكن على الطريقة الناصرية التي تتيح مثل هذا الاقتراب، مع هامش للمناورة مع الآخرين. قال الحمدي في مدينة تعز؛ إن اللقاء "ليس تكتلا عسكريا، وإنما اجتماع تشاوري للبحث في استثمار الإمكانيات التي يتيحها البحر الأحمر"، وإنه " انتصار إضافي للنضال العربي".

الحمدي في باريس 

يفهم من هذا الكلام، أن المجتمعين يريدون الدفاع عن مصالحهم في البحر الأحمر، مستندين إلى قربهم من الاتحاد السوفييتي، غير عابئين برد فعل المملكة العربية السعودية ـ الدولة التي تحتفظ بالشاطئ الأطول بين المشاطئين ـ، وفرنسا التي تحتفظ بقاعدة عسكرية استراتيجية في جيبوتي هي الأكبر والأهم في أفريقيا، وإسرائيل التي أشعلت حربا عام 1967 بسبب غلق مضائق تيران على البحر الأحمر، وتعرضت لحظر الملاحة خلال حرب أكتوبر 1973 عبر التنسيق بين مصر ويمن سالم ربيع علي المشارك في قمة تعز. فضلا عن القاهرة التي تعتبر أن أمن قناة السويس مرتبط بأمن باب المندب، وأن هذا الأمر حيوي للغاية بالنسبة إليها، ومن ثم لن تنظر بعين العطف لمثل هذه القمة، وهي التي ستوقع بعد عامين اتفاقية كامب ديفيد، وتُقبل على تغيير استراتيجي في سياستها الخارجية.
 
في تموز (يوليو) 1977 زار الحمدي باريس بدعوة رسمية من الرئيس الفرنسي فاليري جيسكار ديستان، الذي كان على علم بخطط الحمدي في البحر الأحمر وبدوره في تشجيع استقلال جيبوتي، وتأثير بلاده على الجالية اليمنية المهمة في هذا البلد. والملفت في هذه الزيارة، أن خطاب الحمدي في قصر الإليزيه اقتصر على القول بأن بلاده تريد علاقات صداقة مع فرنسا، في حين أكد جيسكار أن باريس لديها مصالح أمنية في تلك المنطقة، وأن الحمدي على علم بها. 

لكن الرئيس اليمني ما كان بوسعه أن يعقد اتفاقا أمنيا مع فرنسا، وهو الذي يستعد للاشتراك مع الاتحاد السوفييتي وأصدقائه بمشروع كبير في البحر الأحمر. لذا لم تسفر الزيارة عن فارق مهم في علاقات الحمدي الخارجية، سوى أنه أوحى لمن يرغب، أنه صار لاعبا مركزيا في اليمن، وشريكا محتملا في مشروع إقليمي، ويمكنه أن يناور بين السوفييت وفرنسا على غرار الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر.

ما كان بوسع الرئيس الحمدي الذهاب بعيدا في هذا المجال، لولا رهانه على توفير الحماية الداخلية والخارجية لسياسته الطموحة، بواسطة الوحدة اليمنية التي تحمي خاصرته الداخلية، وتتيح له الابتعاد لمسافة طويلة عن المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

حلف يمني

سنراه يمهد في لقاء فبراير (شباط) 1977 في عدن لعلاقة الحد الأقصى مع سالم ربيع علي زعيم اليمن الجنوبي، إذ اتفقا على توحيد الكتاب المدرسي وتوحيد العملة والعلم اليمني، وربما، بحسب البعض، التمثيل الدبلوماسي. وكان من المفترض أن يزور الجنوب لتوقيع اتفاق شامل وربما مبرمج، على ما يقول الناصريون، من أجل توحيد الدولتين، فكان الاغتيال الذي وضع حدّا لسنوات حكمه الثلاث الضاجّة بالتطورات السياسية الدراماتيكية.

 

                        عبدالله الحمدي وعبد الله عبدالعالم

أغلب الظن أن الحمدي ما كان يدرك حجم المخاطر التي تترتب على سياسته الخارجية، التي تنطوي على محاولة انقلاب إقليمي، يطال مصالح دول عظمى (يمر من باب المندب أكثر من أربعة ملايين برميل نفط يوميا، ويقدر حجم التجارة الخارجية العالمية عبره بـ 14 بالمئة، وتقدر تجارة إسرائيل الخارجية هنا بـ 40 بالمئة من حجم تجارتها الخارجية). 

ولو أدرك الحمدي، لما استمر في إهمال أمنه الشخصي إلى حد الانتقال منفردا في سيارته المدنية، وكأنه رئيس لإحدى الدول الإسكندنافية. ولعله كان يسير على رسم الرئيس جمال عبد الناصر الذي رفع شعار "ارفع راسك يا أخي فقد مضى عهد الذل وانقضى". وحذر بريطانيا والولايات المتحدة بالقول: "إذا كنتم تهددونا بـ 60 مليون جنيه ما يهمناش. هذا المبلغ نوفره بالجزمة". 

ما كان الشيخ عبدالله الأحمر شريكا في اغتيال الرئيس إبراهيم الحمدي، لكنه يعترف بشجاعة أنه كان مناهضا لسياسته، وأنه جابهه بكل الوسائل ما عدا الغدر في النصف الثاني من عهده، والدليل أن المقدم أحمد الغشمي الذي تولى الرئاسة بعد الحمدي، لم يسمح للشيخ الأحمر بالدخول إلى صنعاء ولم يشركه في حكمه.

 

اقرأ أيضا: الأحمر.. مشيخة معمرة في بيئة إسلامية لم تخترقها الكولونيالية

 

اقر أيضا: عبد الله الأحمر في عرين النظام الإمامي ومقاومة العثمانيين

 

اقرأ أيضاالأحمر وفشل رهان الإصلاح يفتح باب الثورة والجمهورية في اليمن

 

اقرأ أيضا: الأحمر يشارك بحماية الجمهورية مع السلال ومن ثم الانقلاب عليه

 

اقرأ أيضا: الأحمر: حذرني السلال من الفقهاء ولست ديك رمضان زمن الأرياني


اقرأ أيضا: الأحمر يضفي شرعية الشورى على الحمدي ويعارضه حتى اغتياله

 










النقاش (0)