قضايا وآراء

لبنان: الإضرابات والصراعات على أشباه الدولة

محمد موسى
عربي21
غريب كل ما يحصل في بلاد العجائب والإضرابات المتنقلة من قطاع إلى قطاع، وكأني بالشلل يزحف من زاوية إلى أخرى ليهد ما تبقى من دولة أو أشباه الدولة، وحدها الخطابات الرنانة من كل الأفرقاء في أسبوع الردود النارية عبر المنابر بين القادة السياسيين التقليديين الغائبين عن مآسي الناس، أو مغيبين أو ربما مستمتعين بذل اللبنانيين البؤساء بأسعار البنزين الملتهبة، والموعودة بمزيد من ارتفاع الأسعار في قابل الأيام، خاصة أن مصرف لبنان سيرفع الدعم مطلقا، وسينهي علاقة سوق الطاقة اللبناني واعتماده على منصة صيرفة، وتاليا الأسعار ستصبع ككرة النار يوما بعد يوم.

أما المدارس، فالحديث يطول عن مدارس رسمية حكومية قد لا تفتح، حيث غدا الأستاذ براتب لا يليق به، ولا يكفيه لسد رمقه أياما معدودة.

أما الدواء، وخاصة لأصحاب الأمراض المستعصية، فالقاعدة تقول لكم: اتقوا الله، بعدما ضاق بكم وبأدويتكم بعض البشر في دولة هشة خالية؛ أقل ما يقال إنها دولة إما بدأت في التحلل أو هي على الطريق، خاصة إذا ما ذكرنا بالإضرابات لكل القطاعات وآخرها قطاع الاتصالات الذي يكاد يشل البلاد، فكيف إذا ما ترافق مع إضراب القضاة والإدارات، والعدوى ماضية والخسارة تكاد لا تحصى في الدولة الرخوة أو المنهارة، وذلك وفقا لعدة مقاييس لافتة، أسقطنا عليها الواقع اللبناني وربما العربي، مع استثناءات قليلة لقادة أحبوا بلادهم وشعوبهم فجعلوهم أولوية الأولويات بالفعل؛ لا بالشعارات الفارغة التي لا تطعم الناس من جوعها، ولا تحجب عنها نزعة الخوف من الآخر في بلاد غدا كل من فيها أقليات.
رخاوة الدولة تشجع على الفساد، وانتشار الفساد يزيدها رخاوة، والفساد ينتشر في السلطتين التنفيذية والتشريعية، حتى يصل إلى القضاء والجامعات، ويصبح الفساد في ظل الدولة الرخوة المنهارة له ثقافته الخاصة

ونقصد بالدولة الرخوة حسب إجماع التعريفات العلمية، أنها الدولة التي تضع القوانين ولا تطبقها، ليس فقط لما فيها من ثغرات، ولكن لأن لا أحد يحترم القانون، الكبار لا يبالون به، لأن لديهم من المال والسلطة ما يكفي ليحميهم منه، والصغار يتلقون الرشاوي لغض البصر عنه، ولنا في قضية انفجار "بيروتشيما" مثال صارخ، وقائمة القضايا تطول؟!

والحقيقة تقول؛ إن رخاوة الدولة تشجع على الفساد، وانتشار الفساد يزيدها رخاوة، والفساد ينتشر في السلطتين التنفيذية والتشريعية، حتى يصل إلى القضاء والجامعات، ويصبح الفساد في ظل الدولة الرخوة المنهارة له ثقافته الخاصة، فيغدو الفساد العنوان الدائم لتجار السياسة الفاسدين.

ومن أبرز سمات الدولة المنهارة، غياب الحضور الداخلي والخارجي للدولة وإذا ما حضر كان كارثيا، وهنا نسأل: أين لبنان العمالقة -على أخطائهم- من فؤاد شهاب إلى رياض الصلح وكمال جنبلاط والإمام موسى الصدر والمفتي خالد وكميل شمعون وشارل مالك وفؤاد بطرس، والقائمة تطول، فلعل الجينات لم تعد تنجب رجال دولة بهذه المواصفات!!

إن غياب قامات كهذه، أضاع هيبة الدولة وأوصلنا إلى معادلة عدم احترام القانون، وضعف ثقة المواطنين بالقوانين، فما جدوى وجود منظومة قانونية متقدمة إلا أنها تبقى من دون تطبيق؟!! اللهم إلا في حالات محددة، حيث يمكن استخدامها لمعاقبة مناهضي الفساد، أو المطالبين بحقوقهم، أو المجرمين واللصوص من الطبقات المسحوقة فقط!!
ما جدوى وجود منظومة قانونية متقدمة إلا أنها تبقى من دون تطبيق؟!! اللهم إلا في حالات محددة، حيث يمكن استخدامها لمعاقبة مناهضي الفساد، أو المطالبين بحقوقهم، أو المجرمين واللصوص من الطبقات المسحوقة فقط!!

 في الدولة المنهارة يغدو معيار وجود مؤسسات حكومية أكثر من اللازم ودون دور واضح، إلى درجة تتداخل وتتشابه معها صلاحيات المؤسسات، وهدفها خلق مناصب المحسوبين. وما أكثر المجالس والهيئات والوزرات، والحصيلة لا ماء ولا كهرباء، ومدارس في مهب الريح، وعملة منهارة، وقدرة شرائية لا تعلو عن 7 في المائة للأسف!!

وعليه، يتمادى حد الانهيار عبر وجود نخبة فاسدة تسعى لتحقيق مصالحها الشخصية أولا، مما يساعد في تفشي الفقر والتخلف لغياب العدالة الاجتماعية، وضعف التنمية أو غيابها نسيج اجتماعي منقسم، فكيف بنا بالتقارير الدولية التي تتحدث عن 80 في المائة من اللبنانيين باتوا فقراء!! وعليه تصبح الدولة الرخوة المنهارة مغارة لاستشراء الفساد بأشكاله كافة، ونهب المال العام، والتهرب الضريبي الجمركي وعلى عينك يا تاجر، فهناك من هو أقوى من سلطة الدولة!!

في الدولة الرخوة المنهارة، تغدو السمة الرئيسية التبعية للخارج وفقدان الدولة سيطرتها على جزء كبير من قرارها الداخلي، فهي دولة تعيش عالة على الخارج، والأكيد ارتباط مصالح النخب السياسية فيها بدول أجنبية وبالمؤسسات الدولية. وهنا الكل يعاير الكل، والخاسر هو الوطن المهدد بالزوال، كما قال وزير خارجية فرنسا ذات يوم، ولم يسمعه أحد!!

أما ثالثة الأثافي، فهي في انهيار المنظومة التعليمية أساتذة وتلاميذ وأهالي وأنظمة وبرامج ومواعيد. فبعد أن كان لبنان جامعة الشرق، بات ملفه التربوي سيرة على كل لسان، ولا حسيب ولا مجيب ولا رقيب، والجسم التربوي يكاد يلفظ أنفاسه الأخيرة.
لعل الملف المالي النقدي المصرفي مثال صارخ على فساد النخبة كما قال البنك الدولي، فما ذنب ودائع الناس التي آمنت بلبنان وقطاعه المصرفي؟ أليس هناك من مسؤول عن فجوة مالية قرابة 75 مليار؟ أين ودائع الناس ومن أعطى المحظيين رميها في المحظور؟

في الدولة المنهارة، معيار فاقع عبر الانحياز إلى الأغنياء وإفقار الفقراء وتحميلهم فواتير الفساد والقرارات الخاطئة، ولعل الملف المالي النقدي المصرفي مثال صارخ على فساد النخبة كما قال البنك الدولي، فما ذنب ودائع الناس التي آمنت بلبنان وقطاعه المصرفي؟ أليس هناك من مسؤول عن فجوة مالية قرابة 75 مليار؟ أين ودائع الناس ومن أعطى المحظيين رميها في المحظور؟ من خالف القوانين المالية المحلية والدولية؟ للأسف، حتى الساعة في الدولة الرخوة الإجابة تقول: لا أحد!!

في الدولة الرخوة المنهارة، احترام حقوق الإنسان وكرامات الناس يصبح منة من فلان وفلان أو مكرمة من أحدهم، فهل يعقل أن يخاف الإنسان رأيه ويتسول ماله المحجوز، وهو غير قادر على تعليم أبنائه ودفع طبابة أهله!!

وعليه، لبنان في زمن الاستحقاقات الداهمة، يحتاج رئيسا يأخذه من معايير الدولة الرخوة المنهارة منذ عقود خلت إلى دولة المؤسسات، وهي سمة بديلة لكل المواصفات التي نسمعها من كل السياسيين في أيام لا يقارب الاستحقاق من المعنيين، إلا من خلال مواصفات عامة فضفاضة المعاني، وما أكثرها! والمطلوب واحد: دولة عادلة.

[email protected]
النقاش (0)