مقالات مختارة

الأمم المتحدة.. عجز القادرين على التمام

ياسر محجوب الحسين
عربي21

تبدو منظمة الأمم المتحدة اليوم عاجزة أمام أكبر أزمة تواجه العالم في الوقت الحالي رغم قدرتها النظرية على التمام، وتتمثل أزمة اليوم في حرب أوكرانيا التي يمثل طرفاها أكبر قوتين عالميتين، روسيا من جانب والولايات المتحدة الأمريكية من جانب آخر من راء حجاب. الأمر الذي ينذر بمواجهة شاملة تستخدم فيها الأسلحة النووية. ولربما مثّل انهيار الاتحاد السوفيتي في كانون الأول/ديسمبر 1991، المحطة المفصلية في تاريخ منظمة الأمم المتحدة، عقب بدء عملها رسميا في تشرين الأول/أكتوبر 1945، فقد برز بقوة مصطلح النظام العالمي الجديد، الذي ارتبط بالمدلول الأيديولوجي للحكومة العالمية وسيادة عهد القطب الواحد. وغلفت النوايا المستبطنة للنظام العالمي الجديد بمجموعة قوانين وأطر نظرية مخادعة، وهو وفقا لتلك الخدعة، نظام رشيد يضم العالم بأسره، ليس فيه انفصال أو انقطاع بين المصلحة الوطنية والمصالح الدولية، وبين الداخل والخارج؛ سعيا للاستقرار والعدل للجميع، ويضمن حقوق الإنسان للأفراد.

ما قبل النظام العالمي وما بعده، شهدت اجتماعات أروقة المنظمة المختلفة احتجاجات على عملها من رؤساء بعض الدول وبطريقة ساخرة؛ وكان للقطب العالمي الثاني – الاتحاد السوفييتي آنذاك – نصيب من الاستخفاف بالأمم المتحدة؛ ففي حادثة شهيرة لرئيس وزراء الاتحاد السوفيتي نيكيتا خريتشوف، حين قام في العام 1960، بطرق طاولة الوفد السوفيتي بحذائه اعتراضا على خطاب رئيس الوفد الفلبيني، الذي كان قد انتقد السياسة الخارجية للاتحاد السوفيتي وتصرفاته في شرق أوروبا واصفا إياها بالاستعمارية. كذلك كان للزعيم الليبي الراحل معمر القذافي موقف احتجاجي حين خاطب الجمعية العامة للأمم المتحدة لأول مرة في العام 2009، وكان اللحظة الدرامية عندما استصحب القذافي نسخة من ميثاق الأمم المتحدة، الذي قرأ منه بعض الفقرات، قبل أن يعمد إلى تمزيقه إربا إربا وإلقائه أمام القادة والرؤساء. وفي مرة وجه رئيس فنزويلا الراحل هوغو شافيز نقدا لاذعا للرئيس الأمريكي الأسبق في خطابه قائلا: "لقد جاء الشيطان إلى هنا أمس"، وأضاف: "رائحة الكبريت ما زالت موجودة إلى الآن، وأنا أقف أمامها"، وتلا ذلك بقراءة صلوات، بينما كان يمسك صليبا، وذلك بحجة أنه يريد التخلص من الشيطان جورج بوش، منتقدا سياسات الولايات المتحدة الخارجية.

هناك بدون شك تناقضات فاضحة للمنظمة جعلت مدادا كثيرا يسيل داعيا لإصلاحها بدون جدوى. فمجلس الأمن على سبيل المثال يملك كما هو موضح في الفصل السابع المادة 39 من ميثاق الأمم المتحدة، القدرة على الحكم على قانونية حرب ما من عدمه، لكن لو أن دولة من عضويته التي تتمتع بالعضوية الدائمة للمجلس وحق نقض قراراته، كانت طرفا في حرب، فلا يستطيع المجلس اتخاذ قرار بعدم قانونية تلك الحرب؛ إذ بإمكانه نقض القرار بكل بساطة.

 

قبل العام 1965، كان مجلس الأمن يتألف من 11 عضوا، ستة منهم غير دائمين، قبل توسيعه إلى 15 عضوا، منهم 10 غير دائمين، بعد تعديل المادة 23 (1) من ميثاق الأمم المتحدة. وعلى الرغم من ذلك، لا يزال نحو 60 دولة عضوا في الأمم المتحدة لم تجلس أبدا على مقعد غير دائم في مجلس الأمن، علما بأن الإجراءات التي يتخذها المجلس ملزمة لجميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة. وعند البت في مسألة ما إجرائيا، يتعين على تسعة أعضاء التصويت لصالح القرار لكي يتم اعتماده. فيما يتعلق بجميع المسائل الأخرى، يجب أن يصوت تسعة أعضاء لصالح القرار، "بما في ذلك الأصوات المؤيدة من الأعضاء الدائمين". بمعنى آخر، يمكن للتصويت السلبي من جانب أي من الدول الخمس دائمة العضوية (الصين أو فرنسا أو الاتحاد الروسي أو المملكة المتحدة أو الولايات المتحدة)، أن يمنع اعتماد المجلس لأي مشروع قرار يتعلق بالمسائل الموضوعية.


ولطالما هناك خلل بيّن ومعترف به يصعب توقع الإنجاز، ففاقد الشيء لا يعطيه؛ فمع نشوب الحرب في أوكرانيا لم يملك الأمين العام للأمم المتحدة غير أن يتمنى على أعضاء مجلس الأمن الدخول في مفاوضات جادة من أجل السلام، على أساس مبادئ ميثاق الأمم المتحدة، معربا عن أسفه بشدة إزاء الانقسامات التي منعت مجلس الأمن من التصرف ليس فقط بشأن أوكرانيا، ولكن بشأن التهديدات الأخرى للسلام والأمن في جميع أنحاء العالم. وعندما فشل المجلس في ذلك بحكم تركيبته وآلية عمله، قرر في 27 شباط/فبراير الماضي الدعوة لعقد جلسة طارئة للجمعية العامة في قراره 2623 (2022)، آخذا في الاعتبار أن عدم إجماع أعضائه الدائمين منعه من ممارسة مسؤوليته الأساسية في الحفاظ على السلام والأمن الدوليين. حديثنا هنا لا يتبنى موقف هذا الطرف أو ذاك، ولكن بيت القصيد في الإشارة إلى الاختلالات التي تعتري المنظومة الأممية؛ فبعد فشل مجلس الأمن؛ السلطة الأعلى في هذه المنظومة، اتخذت الجمعية العامة قرارا في جلستها الطارئة في الثاني من آذار/مارس 2022 استنكرت بموجبه "عدوان الاتحاد الروسي على أوكرانيا". لكن قرارات الجمعية العامة غير ملزمة، لا للدول الكبرى ولا للمستضعف منها. إذن فقرارات مجلس الأمن ملزمة، لكن تستطيع أي دولة من الدول الخمس نقضها، سواء لصالحها أو لصالح من تحب.


في مسألة غزو العراق في 2003 نوقشت مشروعية غزو الولايات المتحدة الأمريكية له واحتلاله، وقال الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك: "لقد أوضحت أنها لا تتوافق مع ميثاق الأمم المتحدة. من وجهة نظرنا ومن وجهة نظر ميثاق الأمم المتحدة، كانت – الحرب - غير قانونية". معلنها صراحة أن الحرب التي قادتها الولايات المتحدة على العراق كانت غير قانونية. بل إن لجنة تحقيق بريطانية في حرب العراق، خلصت إلى أن إجراءات الولايات المتحدة والمملكة المتحدة قد قوضت سلطة الأمم المتحدة. المدهش أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين رفض غزو العراق، لكن لم يهرع لدعم الرئيس العراقي صدام حسين، بينما اليوم الولايات المتحدة ترفض غزو روسيا لأوكرانيا مع دعم سخي عسكريا وإعلاميا واقتصاديا.

 

(الشرق القطرية)

0
النقاش (0)