قضايا وآراء

ما هي القيم؟ بين الرؤية القرآنية والرؤية العلمانية (2)

إبراهيم الديب
عربي21

القيم في الرؤية الغربية وخطرها على العالم

بيّنا في المقال السابق مفهوم القيم في الثقافة الإسلامية كون القيم منتجا وتشريعا إلهيا ترتقي بالإنسان وتربطه بالله تعالى مراكز الوجود وإله الكون وربه المدبر لأمره، وتعمل على بناء شخصية الإنسان وتعزيز قدراته وقيمته المضافة، وبناء الأسرة والمجتمع والدولة الأكثر أمنا واستقرارا.

كما بيّنا صفات وخصائص ومعايير القيم القرآنية وما تتميز به من عدل وطلاقة ورحمة، وكذلك دور الأبعاد الحضارية لها في تعزيز الكرامة الإنسانية للناس كافة، وضمان الحرية والعدالة والمساواة وتعزيز الأمن والاستقرار العالمي.

نظام قيم القوة وفرض قانون الغابة

بيد أن الأمر في النظرية الغربية للقيم يختلف كثيرا عنه في الإسلام، بل ويضاده ويتصارع معه، حتى أنه يشكل خطرا كبيرا على العالم، وخاصة الدول والمجتمعات الضعيفة، عندما يؤسس الغرب نظريته ونظامه القيمي على القوة وفرض السيطرة وتحقيق منفعته على حساب الشعوب الضعيفة. وما يزيد الأمر صعوبة وتعقيدا؛ عندما يسيطر الغرب على المؤسسات الدولية ويستخدمها كأداة لتقنين وشرعنة شذوذه وتطرفه وإرهابه القيمي:

- فتراه يشارك ويدعم ويساند النظم الاستبدادية في العالم الثالث ضد إرادة الشعوب ومصالحها، في حين يتغنى ويلتزم هو بالديمقراطية واحترام إرادة الشعب في أمريكا والغرب.

- يؤمن الأمن والاستقرار للشعب الأمريكي، وينشر المؤامرات والاضطرابات والفوضى في عشرات الدول في نفس الوقت.

- يسعى للنهوض باقتصاده وعلومه ومعارفه وكل مجالات حياته، وفي نفس الوقت يشترط قوته وسيطرته وسيادته بالعمل على إضعاف الآخرين وخاصة عالمنا العربي والإسلامي، وقطع الطريق على نموهم ونهوضهم. وتمثل المؤسسة الدولية خاصة صندوق النقد الدولي أذرعه الأساسية لتحقيق هذا المبدأ.

- وتراه بمنظومته القيمية الإرهابية يتدخل في شؤون الدول ويدعم الانقلابات العسكرية في تركيا ومصر وأفريقيا، ويحتل أراضي العراق، ويدعم ويشرف على تدمير سوريا واليمن وليبيا ولبنان والسودان، ويسرق ثرواتها، وعندما تقاومه الشعوب يتهمها بالإرهاب ويعاقبها دوليا على مقاومتها المشروعة له.

- ثم تراه باسم منظومته القيمية الإرهابية يدمر مدنا بكاملها، ويقتل ويهجر ملايين البشر بغرض الحصول على بعض المكاسب السياسية والمادية.

يظن البعض أن هذا تناقض وازدواجية في خطاب أمريكا والغرب، وما درى أن ذلك تماهٍ وممارسة تطبيقية منظمة لنظام القيم الإرهابي الغربي، وعقيدته القيمية المدمرة التي تقرر وتشرعن ذلك، وتجعل الجندي الأمريكي يستعمر أراضي أجنبية ويغتصب ويقتل أهلها ويسرق ذهبها وأموالها وهو مبتسم وسعيد بأنه يؤدي واجبا دينيا ووطنيا سيكافأ عليه في وطنه وعند الرب!

وهذا ما سيتضح لنا بعد كشف أسبار وأسرار منظومة القيم الإرهابية الغربية، ومنطلقاتها الفلسفية ومبادئها الحاكمة والمنظمة لها، والتي تعد المصدر الأساس لواضعي الخطط الاستراتيجية والسياسات الأمريكية والغربية.

الجذور والمنطلقات الفلسفية لمنظومة القيم الإرهابية الغربية

مر تطور الفكر القيمي في الغرب بمرحلتين:

المرحلة الأولى: ما قبل نيتشه، حيث كان ينظر إلى القيم على أنها الشيء الثمين النافع لغيره، الذي يحقق مصلحة ما للفرد، أو كونها جميلة وقيمة في ذاتها.

ولذلك كانت أنواع وخصائص القيم على هذا النحو:

1- تكون القيم ذاتية حين يكون مردها إلى الأفراد؛ فالطعام واللحن الموسيقي قد يكون لهما قيمة عند فرد، ولا يكون لهما لدى فرد آخر، وقد يثيران اشمئزازاً وكراهية عند فرد ثالث، ومن هنا كان الاختلاف.

2- القيم نسبية باختلاف الأفراد والزمان والمكان والظروف والأحوال، وتكون نسبيتها وانتفاء مطلقيتها. وفي هذا يقول سبينوز (Spinoza): نحن لا نرغب في شيء لأنه قيّم، بل إنه قيّم لأننا نرغب فيه ونريده. فالقيم ذاتية نسبية، لأن القيمة تكون بالقياس إلى تفكير الإنسان أو رغباته أو شعوره. وهذا يفضي إلى عدم وجود حق بالذات أو خير بالذات أو جمال بالذات.

3- القيم المطلقة فهي تتضمن قيمتها في باطنها، وهي مستقلة عن مصالح الإنسان وأهوائه ورغباته. وهي ضرورية ودائمة، وواضحة بذاتها، وهي عامة مطلقة تتخطى الزمان والمكان ولا تتبدل بتبدل الظروف والأحوال، فهي كيان مثالي ثابت مستقل عن الأفكار والرغبات.

4 - القيم ذاتية وموضوعية عند برتراند راسيل (Russell) في آن معاً، فالقيم ذاتية من حيث هي صادرة عن الذات، وموضوعية من حيث أنها ملتقى الناس جميعاً.

وكان من أهم فلاسفة هذه المرحلة إرنست لوسين وماكس شيلر ولافيل (Louis Lavelle) وديكارت وكانت ما بين 1883 و1951.

المرحلة الثانية: ما بعد نيتشة (1844م-1900م) والذي أحدث انقلابا وتحولا جذريا في الفكر الفلسفي للقيم، وبدأت مرحلة التحول من القيم بالمنفعة إلى القيم بالقوة والقدرة التي يفرضها القوي السيد بقوته وسيطرته على الضعيف العبد، ولذلك يعد فهم نيتشة مفتاحا لفهم القيم الغربية والنظام العالمي الجديد برمته، حيث يعد نيتشة المبرمج الحقيقي للنظام القيمي الجاري الآن عالميا في أمريكا وأوروبا، والذي استطاع أن ينتقل بالعقل الفلسفي الغربي من البحث عن الحقيقة والوجود إلى البحث في الإنسان والقيم، وإعادة برمجة القيم التي التزم بها الإنسان لقرون طويلة، وطرح فكرة حتمية الخروج على كل دين وقديم وثابت ومسلم.

لماذا التركيز على نيتشة؟ ليس لجودة ما جاء به، حيث أعدُه من أسوأ خلق الله الذين مروا على التاريخ البشري؛ بتمرده على المنهج الإلهي، وما أنتجه من أفكار تدين بها الأمة الأمريكية والغربية ويعيش بها قطاع كبير من العالم الآن بفعل القوة الأمريكية والغربية، وإنما لأنه الأقوى تطبيقا وتأثيرا منذ طلع القرن 20 وحتى الآن.

وهنا سأُلخص المرتكزات الخمسة عشر للنظام القيمي الإرهابي الغربي:

وللإيضاح والبيان كما يعتقد المسلم بالله تعالى الواحد وبالنبي الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم، وكما يعتقد كل طفل في العالم بأن الشمس تشرق من المشرق وتغرب من المغرب، فإن المواطن الأمريكي والغربي يعتقد بهذه المبادئ الإجرامية التي تمثل ذروة الإرهاب العالمي ويغلفها بغلاف مزيف وكاذب بمنظومة القيم الغربية.

1- رفض فكرة الإله والأديان بشدة من أساسها وإعلان فكرة موت الآلهة، بل ونهاية الإيمان في المجتمع الحديث، والاعتقاد بأن الإنسان هو صانع قدره بلا شريك. لاحظ أنه يتم استدعاء الدين في بعض الأحيان لتحقيق أدوار وظيفية مؤقتة فقط مع معتنقي الأديان، كما نلاحظ أيضا التناقض التام للسياسات الجارية مع بديهيات الأديان السماوية الثلاثة بالكلية.

2 - مبدأ الإنسان القوي السوبرمان الخالد مالك القدرة والقوة وصانع القيم، بديلا عن الإله المسيطر على الكون المدبر والمدير له ومصدر قيمه، فالإنسان الفرد مركز الكون وأساس المجتمع الحديث بديلا عن الأسرة نواة المجتمع. لاحظ أن فكرة الشذوذ والتمرد على الفطرة والجندرة ما هي إلا إحدى ثمرات هذه الفكرة الشيطانية اللعينة، ولاحظ أيضا الفكر النسوي الداعي لتمرد المرأة على فطرتها ورسالتها كأم ومربية، والخروج من المنزل والتمرد على الوقار الذي أمر به خالق الكون، وقوانين تعقيد الزواج المفروضة على الدول والشعوب الإسلامية.. كل ذلك ما هو إلا عصير مر من ثمرات خبيثة لهذه الأفكار.

3 - الإرادة وغريزة السيطرة والقوة هي أصل ومصدر القيم، وليس الخير والشر أو النفع والضرر.

4 - القيم فردية ونسبية ولا معيار لها، وقوة القيمة مقرونة بالقوة المادية وقدرة القوي على فرضها على الضعفاء الآخرين، والضعيف لا قيمة له.

5- هدم والتحرر من قيود النظام الأخلاقي القديم لأوروبا، الديني وغير الديني، منذ المسيح والتي أقرتها المسيحية والفلاسفة من لدن أفلاطون إلى سقراط لأنها أخلاق العبيد والقطيع، ودائما هي مبرر للفشل والضعف.

6 - المجتمع العالمي القوي الفاضل متحرر وخال من قوانين ومبادئ الضعف والضعفاء، والمتمثلة في دعاوى الرحمة والشفقة والتكافل. فلا احترام ولا رحمة للضعفاء والمرضى وذوي العاهات، فما هم إلا عبيد وخدم للسادة الأوفياء، وإذا ما انتهت وظيفتهم فالتخلص من عبء وجودهم واجب لا محالة.

لاحظ تقديم وتفضيل حب الذات على الاهتمام بالآخرين وتطبيقاته في السياسة الأمريكية المقدسة والتي تكررت علنا على لسان كيسنجر: ليست مهمة أمريكا حل مشاكل العالم، بل إشعال وتغذية الصراعات والحرائق وإدارتها وتحقيق أعلى استفادة منها.

7 - الاعتزاز بالذات القوية التي يجب أن تملك وتسود وترفض أي تواضع مهين، وتستمر وتبقى مسيطرة إلى نهاية العالم.

8 - تمجيد وإعلاء العسكرية مظهر القوة وأداة القوة والسيطرة. لاحظ حرص الإدارة الأمريكية قائدة العالم الآن وسياستها في تدجين جيوش دول العالم الثالث عبر مسارات التدريب والتسليح وشراء القادة العسكريين وتجنيدهم، وتغيير ودمج عقيدتهم العسكرية الوطنية في العقيدة العسكرية الأمريكية لضمان السيطرة على شعوب ومقدرات هذه الدول.

9 - تجاهل وتجاوز القيم والمبادئ والقوانين والاتفاقيات والعهود والمواثيق والتقاليد البالية الضعيفة. لاحظ المقولات الخالدة لهنري كسنجر، مهندس السياسة الأمريكية، حول سخريته مما يسمى بالقيم والأخلاق السياسية، ومن نظرياته السياسية التي تدرس في البراجماتية للتلاعب بعقول الشعوب..

10 - براجماتية الروح والفكر والعمل والغاية والمنفعة هي جوهر القيم.

11 - الغريزة هي العلة الأولى والأخيرة في تفسير السلوك الإنساني، ولا مجال لعقيدة أو ضمير أو وراثة.

12 - تراتبية القيم والمجتمع على أساس القوة، فسادة المجتمع أصحاب قيم القوة هم الأقوياء، وعبيد المجتمع هم ضعفاؤه وأصحاب قيم الضعف.

13 - الحياة المثلى هي التي يعيش فيها الإنسان على حافة بركان، وفي خطر دائم يدعوه إلى اليقظة والحذر الشديد، والاستنفار الأمثل لكل ما لديه من مواهب وملكات مدفونة. وهذا المبدأ هو منطلق السياسات الأمريكية الخاصة باليقظة الدائمة، وملاحقة أي أسباب للتحرر واليقظة وامتلاك القوة لدى شعوب ودول الأطراف لسرقتها وتقويضها مبكرا ليظلوا ضعفاء عبيدا لهم، كما يعتبرون أي نمو وتقدم خارج السيطرة الأمريكية تهديدا للأمن القومي الأمريكي. ولاحظ أن هذا المبدأ هو أصل سياسات بوش الأب من ليس معنا فهو ضدنا، ومن ضدنا فهو إرهابي يجب سحقه سريعا.

14 - لا اعتراف ولا قبول بفكرة الاشتراكية والديمقراطية، حيث يغلب عليها الإنسان الأقوى المسيطر، ليس لأنها أفكار تنافسية فحسب ولكنها مفتاح للشعوب لامتلاك قوتها الذاتية والتمرد والخروج عن القيادة الأمريكية للعالم، والمقرر لها أن تستمر في خططهم إلى نهاية العالم.

15- تجاوز المنطق والبديهي، وإلغاء معايير قياس وتقويم القيم، تمهيدا لتفكيك القيم ذاتها.

فلا توجد أخلاق مطلقة، وأنه لا توجد حقائق أخلاقية ثابتة، كما أنه لا توجد ظواهر أو وقائع أخلاقية، ولكن يوجد فقط تفسير أخلاقي لتلك الظواهر.

الخطورة الاستراتيجية هنا هي نسف أية معايير ونظم معيارية لتنظيم وضبط وقياس سلوك وفعل الإنسان وإطلاق المجال للقوة فقط، بمعنى تحول البشر إلى قانون الغابة. وفلسفة ذلك أن المطالبة بأخلاق واحدة للجميع يعني الإضرار بالإنسان الأعلى تحديدا، وأن ثمة تراتبية بين إنسان وإنسان، وبالتالي بين أخلاق الأسياد فيما بينهم، وأخلاقهم الخاصة مع العبيد، وأخلاق العبيد فيما بينهم ومع أسيادهم. هذه المبادئ تمثل التبشير والإعداد والتأهيل لإنسان وعالم وقرون جديدة، تحديدا القرن 19 و20 و21، وتجاوز ما سماه العصر المريض (القرن 17، 18)، أي المريض بثوابت وموروثات الماضي والأديان.. الخ.



 

واستدعاء لإيجابية القارئ كنخبة ثقافية مسؤولة عن عقول وحاضر ومستقبل شعوبنا وأمتنا العربية والإسلامية والإنسانية عامة، أترك لكل قارئ أن يسجل لنفسه رؤيته التحليلية لنظام القيم الغربية ومدى جودتها حضاريا، في ظل معايير ستة قمت بتصميمها وفق المقاصد العليا لهندسة المجتمع الإنساني في القرآن الكريم، آخر الكتب السماوية ومنحة وهدية رب العالمين للبشرية إلى قيام الساعة؛ على قلب خاتم الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم.

رؤية تحليلية لنظام القيم الغربية ومدى جودته حضاريا

البناء والتطور الحضاري المعني بتعظيم القيمة المضافة للإنسان، وتعزيز قدرته وممكناته للوفاء برسالته الحضارية لعمارة الكون ماديا وروحيا ولضمان التحسين المستمر لحياة كافة المخلوقات على الكوكب هذا البناء الحضاري، هو البوصلة، والمعيار الذي يوجه وينظم عمل النظم القيمية المختلفة التي يمكن أن تنتجها الثقافات الإنسانية المختلفة، والتي يعود نسقها المرجعي إلى الرسالات السماوية وخلاصة الفكر البشري، والذي تمت صياغته واعتماده في الأمم المتحدة.

في هذا السياق، قمنا في هويتي بتصميم هذا النموذج المعياري لقياس مدى وفاء النظم القيمية المختلفة بالاعتبارات الإنسانية والكونية التي قررها رسل وكتب الله التي نؤمن بها وتوافقت عليها النصوص الدولية للأمم المتحدة والمجلس العالمي لحقوق الإنسان.

 



أترك لكم الإجابة، وتدوين الملاحظات.

وللحديث بقية عن الواجب فعله في مواجهة النظام القيمي الإرهابي العالمي الجاري.

النقاش (2)
د. محمد سعيد
الثلاثاء، 27-09-2022 08:54 ص
هناك مشكلة في الدراسة تقوم على بناء المرتكزات الخمسة عشر للنظام القيمي الإرهابي الغربي باعتبارها انتصارا وتطبيقا لآراء نيتشه. من المعروف أن أتباع نيتشه هم أقل من أقلية في الدول الغربية وبشكل خاص منها الدول الأنجلو ساكسونية حيث الطابع الديني (البروتستانتي والأنجليكاني والكلفاني والطهراني) يبدو واضحا وحيث أن نقد ونقض أفكار نيتشه بلغ أعلى مستوياته. وبشكل خاص نقد فكرتي رفض الأديان والسوبرمان. ومن هنا تركيز أهم الباحثين الغربيين الأنجلوساكسون والسياسيين على تعبير "الحضارة المسيحية" والتبشير وتفسير همجية السلوك الاستيطاني والاستعماري على أساس فتوى دينية بابوية بادئ الأمر تبنتها الكنائس "الوطنية" عبر الأطلسي باعتبار الإنسان يصبح إنسانا بالعمادة لا بالولادة، وبالتالي كل من لم يتعمد لا تنطبق عليه الوصية المعروفة (لا تقتل) باعتبار قتله أو إبادة جنسه لا تشمل غير المسيحيين. لقد وظفت الرأسمالية الغربية الدين المسيحي بشكل بشع في إعادة بناء الجغرافيا البشرية وما سمي بالعالم الجديد، لذا يتصدر الدولار جملة "بالله نؤمن". حبذا مراجعة القسم المتعلق بتأثير نيتشه لتكون هذه الدراسة أكثر دقة فيما يتعلق ببناء المنظومة الهمجية الغربية مع خالص الشكر فيما يتعلق بالمعايير الستة المقترحة لتقييم نظام القيم الغربية
ميم عين
الثلاثاء، 27-09-2022 07:10 ص
التصحيح الديني قبل التصحيح السياسي والاقتصادي ان الحقيقة الكبرى التي غفل عنها فقهاء الاسلام قديما وحديثا هي ان الاسلام قد دشّن عصر ما بعد الرسالات، أي عصر صلاحية الانسانية للتشريع لنفسها، وبغير ذلك فان البشرية كانت ستبقى دائما بحاجة الى انبياء جدد. لقد انعزلت أمة العرب عن بقية امم الارض المتحضرة لمئات السنين. وكان من نتائج هذا الانعزال، عجزها شبه التام عن انتاج المعرفة. وكانت الثقافة الدينية الموروثة الخاطئة هي السبب الرئيسي في هذا الانعزال، بسبب التناقضات الكثيرة الموجودة كتب الموروث الديني مع ايات التنزيل الحكيم، مما اثر سلبا في تشكل العقل الجمعي العربي. وكان السبب الرئيسي لذلك التناقض هو قيام ائمة المسلمين الاوائل والمعاصرين)، بنقل اسلوب الحياة الدنيوية للنبي وصحابته، على انه جزء من الدين، واعطوا ذلك صفة القداسة والشموليه والعالميه والابديه. فكان من تنيجة ذلك ان اصبحت المحرمات بين ايدينا بالمئات بل بالالاف بدلا عن اقتصارها على الاربعة عشر محرما المذكورة في كتاب الله. فقول الله تعالى في الاية الكريمه (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ان لا تشركوا به شيئا .... 151/الانعام) يؤكد ان المحرمات محصورة في الايات المذكورة. وأن الله تعالى هو صاحب الحق الوحيد في التحريم. فكل اوامر النبي عليه الصلاة والسلام ونواهيه هي اوامر ونواهي تحمل الصفة المدنيه ضمن نطاق حكمه المدني من مقام النبوه، وهدفها تنظيم الحلال فيما يتعلق بمجتمعه المدني ودولته المدنيه في زمانه فقط، ولا تحمل صفة الشموليه ولا العالمية ولا الابدية، باستثناء ما كان منها يتعلق بشعائر الصلاة والزكاة، حيث امرنا الله تعالى بطاعة الرسول فيهما بشكل منفرد (واقيموا الصلاة واتوا الزكاة واطيعوا الرسول لعلكم ترحمون). فهل من المقبول بعد ذلك ان يقال ان كل ما قاله واجتهد به العلماء الاوائل والمعاصرون هو من ثوابت الدين؟ وهل كل تفاصيل حياة النبي الدنيوية اليوميه واجتهادات من أتى من بعده من الخلفاء والائمة هي من ثوابت الدين؟ لقد كاد فقهاء الاسلام الاوائل والمعاصرين ان يؤلّهوا رسول الله. وكان من نتائج ذلك أن طغت محورية الحديث النبوي المنقول، على محورية كلام الله تعالى. واصبح ينظر لاحاديث النبي وتشريعاته على انها وحي ثان مواز للتنزيل الحكيم ومطابق له في القدسية، وربما اعلى منه في بعض الاحيان. واستندوا في ذلك على تفسيرهم للاّية الكريمه "وما ينطق عن الهوى ان هو الا وحي يوحى". واعتبروا ان تفسيرهم ذلك لهذه الاية هو تفسير نهائي غير قابل للمراجعة ولا للتصحيح، رغم ان هذا التفسير للآّية الكريمة لم يصدر عن النبي، ولم يرد عنه انه قال ان كل ما يقوله هو وحي من الله. ان معظم كتب الموروث الديني ماهي الا صناعه انسانية بحته، بمعنى انها لاتعدو كونها اجتهادات بشرية في حدود ما سمح به السقف المعرفي في العصور الاولى. اما التشريع النبوي الانساني (الصادر من مقام النبوه)، فقد كان ينحصر في تقييد المطلق او اطلاق المقيد ضمن دائرة الحلال الواسعه. فالنبي معصوم عن الخطأ من مقام الرسالة فقط، وليس من مقام النبوة (يا ايها النبي لم تحرم ما احل الله لك تبتغي مرضاة ازواجك...) – (ما كان لنبي ان يكون له اسرى حتى يثخن في الارض، تريدون عرض الدنيا والله يريد الاخره...). ولقد أعطى الله سبحانه وتعالى للنبي عليه الصلاة والسلام (وللبشرية من بعده) حق الاجتهاد في التشريع الانساني الدنيوي، دون ان يعطي لذلك الاجتهاد صفة القداسة والشمولية والعالمية والابدية. وكانت تلك هي العلة الكبرى وراء كونه عليه الصلاة والسلام خاتم النبيين (أي لا نبي بعده). والا، فان البشرية كانت ستكون دائما بحاجة الى انبياء جدد. وباعطائه سبحانه وتعالى للبشرية ذلك الحق فقد قضى بان محمدا عليه الصلاة والسلام هو خاتم النبيين. لذلك كله، فأن امة العرب والاسلام في حاجة ماسة اليوم الى قراءة جديدة للتنزيل الحكيم كتلك التي قام بها المفكر الكبير د. محمد شحرور، والتي من شأنها احداث ثورة فكرية دينية شاملة، لتتصحيح القناعات المجتمعيه للعقل العربي. نقول ذلك، مع تسليمنا الكامل بأن كل فكر جديد هو خاضع للقبول او الرفض او التصحيح او التخطئة. ولنتذكر دائما بأنه ليس كل رأي او فكر جديد هو دائما قادم من عدو. وعليه، فاني انصح وبشدة، بالاستماع والاطلاع المتعمق على أفكار هذا العبقري الملهم، لأني أرى فيها حقا احياء للأمة من بعد سباتها الطويل.