مقالات مختارة

زحف اليمين الشعبوي… لا أحد أفضل من الآخر

توفيق رباحي
عربي21

في السويد احتاج اليمين الشعبوي إلى 12 سنة فقط ليرتقي من مجرد أصوات هامشية مبعثرة إلى قوة سياسية وبرلمانية في البلاد تحوز على قرابة 20٪ من أصوات الناخبين (حزب ديمقراطيي السويد).

 

وفي إيطاليا يتفنَّن السياسيون في بلورة المشاعر اليمينية حتى أصبح في البلاد أكثر من حزب يميني واحد وأكثر من زعيم سياسي يغرف من إرث موسوليني الفاشي. (إيطاليا يمكن اعتبارها جرس إنذار أوروبا ومختبرها. فقد سبق فيها بينيتو موسوليني أدولف هتلر في ألمانيا. ونشأت فيها الألوية الحمراء اليسارية قبل ظهور حركة العمل المباشر الفرنسية وفصيل الجيش الأحمر في ألمانيا. وسبق فيها سيلفيو بيرلسكوني دونالد ترامب في أمريكا).


في فرنسا نجح اليمين المتطرف في أن يصبح جزءا من اللعبة السياسية ومن الفضاء العام لا يُمكن تخيّل انتخابات نيابية أو رئاسية من دونه. منذ نحو عشرين سنة لا يختار الفرنسيون قادتهم بل يُجبَرون على ما يسمى التصويت الاضطراري لصالح القوى السياسية التقليدية، ليس حُبًّا فيها وإنما لسد الطريق أمام اليمين المتطرف ممثلا في التجمع الوطني (الجبهة القومية سابقا).


لكل دولة أوروبية اليوم تجربة مع اليمين المتطرف. حتى الدول التي لطالما وُصفت بالمتسامحة، مثل سويسرا والنمسا وبلجيكا والنرويج، لم تنجُ من هذا الزحف ولها نصيب في الجدل.


دول أوروبا الشرقية، بالذات تلك التي غداة انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي صدَّرت ملايين المهاجرين إلى دول أوروبا الغربية والوسطى، مثل بولندا ورومانيا وبلغاريا، تضج اليوم بالعصابات الفاشية وتبدو مثل دول القارة الأخرى أو أسوأ من حيث تغلغل اليمين الشعبوي.


فوز اليمين الشعبوي في السويد، ولو بصعوبة، وفي إيطاليا بنتائج مريحة، هو آخر حلقات ظاهرة تتكرس بقوة وسرعة في أوروبا، وانعكاس لواقع لا يختلف كثيرا عبر العالم. كل دولة، بما في ذلك العربية والمسلمة، والآسيوية البوذية والهندوسية، لها نسختها من اليمين المتطرف. اليابان لديها يمينها الشعبوي. روسيا كذلك، وكندا وأوكرانيا. الهند أسوأ من الكل. قريبا منا، المغرب، الجزائر، تونس، مصر، لبنان، تركيا وقس على ذلك في القارات الخمس. دولة جنوب إفريقيا لا تخلو من يمين شعبوي يلاحق الجياع القادمين من دول إفريقية مجاورة في قوتهم ويطاردهم في الشوارع وفي الجحور التي يضطرون إلى اتخاذها مأوى. إسرائيل في وضع أخطر إذ ينخرها اليمين الشوفيني أكثر من غيرها لكن لا أحد يتكلم.


ليس ضروريا أن يكون هذا اليمين مهيكلا سياسيا وانتخابيا. في دول الجنوب، ومنها العربية، هو غائب سياسيا، لكنه متجذر في أعماق الفرد والمجتمع ويُشاهَد بسهولة يوميا.


لكن لأن أمريكا تقود العالم، يتجه الاهتمام إليها أكثر من غيرها. ولأن أوروبا تشارك في قيادة هذا العالم، يحظى انتشار اليمين المتطرف فيها باهتمام أكبر مما هو الحال في غيرها.


لعل التركيز الغربي الموجه أكثر إلى أمريكا وأوروبا نابع من خوف القوى الكبرى من خسارة مكاسبها الاقتصادية والجيو استراتيجية ومن فقدان هيمنتها على العالم إذا افترضنا أن اليمين الشعبوي يميل إلى رفض العولمة والفضاءات والتكتلات ويفضّل الانطواء في الأوطان وعليها (شعار موسوليني كان: الله، الوطن، العائلة).


في هذه التحولات السياسية العميقة التي تشهدها المجتمعات الغربية، والتي من نتائجها زحف اليمين الشعبوي بسرعة مخيفة، علامات على أزمات متنوعة تعيشها هذه المجتمعات. من الخطأ الاعتقاد أن الأمر مرتبط فقط باتساع نطاق موجات الهجرة من مناطق الحروب وبؤر الفقر والأزمات.
هناك ما هو أعمق. في التحوّلات الحالية إشارة إلى أن الديمقراطية بمفهومها الغربي التقليدي انتهى مداها ووصلت إلى طريق مسدود. واستنتاجا فقدت الحكومات والأجهزة السياسية في الغرب تميّزها ونفوذها الأخلاقي لتلقين الآخرين دروسا في الحقوق والحريات.

 

الأسوأ في الأمر أن هذا التراجع لم يعد مزعجا للذين يكرِّسونه. ولم يعد مخيفا للذين يختلفون معه. ليس عيبا اليوم أن يُعيَّر سياسي في الغرب بأنه يميني شعبوي، ولن يكلف نفسه عناء الدفاع عن نفسه وفكره السياسي. تقدم مارين لوبان إلى الدور الثاني في الانتخابات الرئاسية الفرنسية في ربيع العام الجاري بالكاد استوقف البعض، لكن تقدم والدها للدور ذاته منافسا لشيراك في 2002 أصاب فرنسا وأوروبا كلها بالصدمة والذهول. نواب اليمين المتطرف في البرلمان الأوروبي اليوم، وبعضهم لا يخفي افتتانه بالفكرين النازي والفاشي، ينحدرون من عشر دول ويشكّلون كتلة متجانسة لا تقل تأثيرا عن الكتل الأخرى.


هذا «التطبيع» هو ما ساهم في تذويب الحدود بين التيارات السياسية التقليدية في أوروبا. فقد جنحت الأحزاب اليمينية إلى مزيد من اليمين (في فرنسا لم يعد هناك فرق واضح بين اليمين التقليدي مثل حزب ماكرون و«الجمهوريون»، وحزب مارين لوبان)، واقتربت اليسارية من اليمين (حزب العمال البريطاني، على سبيل المثال، يقف في المنطقة الرمادية بين اليمين واليسار منذ قاده إليها توني بلير فخسر اليسار ولم يكسب اليمين).


من الضروري التذكير بأن قادة اليمين المتطرف الأوروبي حلفاء تقليديون لكثير من الحكام الطغاة في منطقة الشرق الأوسط وفي غيرها. مارين لوبان صديقة سياسية للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وزارت روسيا نحو أربع مرات خلال السنوات القليلة الماضية. والدها جان ماري لوبان كان صديقا للرئيس العراقي الراحل صدام حسين. يورغ هايدر، وهو أحد زعماء اليمين المتطرف في النمسا قبل أكثر من عشرين سنة (توفي في حادث سيارة)، كان صديقا شخصيا للعقيد معمر القذافي. النظام السوري يقيم علاقات وثيقة، عبر وسطاء، مع نازيين جدد في فرنسا ودول أوروبية أخرى تطوّع بعضهم لمساعدة الجيش السوري والميليشيات المتحالفة معه في حربه الأهلية.

 

(القدس العربي)

 
0
النقاش (0)