قضايا وآراء

حجاب الثورة وثورة الحجاب في إيران

ياسر عبد العزيز
عربي21
لم يتسن لوالد مهسا أميني، نقل حقيقة ما توصل إليه عن ملابسات مقتل ابنته على يد "شرطة الأخلاق" في إيران، ووجد منفذا وحيداً في موقع معارض، أكد من خلاله بعض الحقائق التي توصل إليها وزيف الروايات الحكومية عن مقتل ابنته البالغة 22 عاما من عمرها.

الرواية الحكومية ودلائل كذبها

في أول تعليق له على مقتل الشابة مهسا أميني، قال الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي معزياً أهل المغدورة: "ابنتكم بمثابة ابنتي ولقد شعرت بفقدانها أنني فقدت أحد أحبائي"

هذه التعزية سبقتها رواية حكومية لم تلق قبول ذوي المغدورة ولا أغلب الإيرانيين، ومن ثم لم تقبل تعزية رئيسي المبنية على الرواية المكذبة من قبل والد القتيلة.

فبحسب الرواية الحكومية فإن شرطة الأمن الأخلاقي أوقفت أميني عند محطة مترو في طهران بسبب ما ارتأته الشرطة مخالفة في زي أميني، حيث تفرض السلطات في إيران معايير للحجاب وفق القانون. وبحسب الشرطة فإنها اصطحبت مهسا إلى مركز لها قرب مكان توقيفها لأخذ تعهد منها وتوجيهها، وهي الإجراءات العادية التي تتخذ في مثل هذه الأحوال، لكن مهسا أُغمي عليها فجأة بعد فترة وجيزة من اعتقالها، لتُنقل إثر ذلك إلى أحد المستشفيات، حيث فارقت الحياة بعد ثلاثة أيام بسبب سكتة دماغية، بحسب التقرير الذي نشرته السلطات في إيران. وقد عرضت الشرطة مقطع فيديو يؤكد أن مهسا أغشي عليها في المركز الاحتجاز، قبل أن يُظهر مقطع آخر خمسة رجال يحملونها إلى سيارة إسعاف تم طلبها بعد تكرر فقدان مهسا للوعي، وقالت الشرطة لاحقاً إن المتوفاة مريضة بالقلب.

هذه الرواية لم يقبلها والد مهسا بطبيعة الحال، حيث إن ابنته لم تكن مريضة بالقلب في يوم من الأيام، وزاد من شكه أنه تسلم الجثة مغطاة بشكل كامل ومبالغ فيه ولم يستطع رؤية إلا قدم ابنته، وأكد أن عليها آثار تعذيب، ما زاد من شكه قبل أن يبدأ طريقه بالتحري حول ملابسات مقتل ابنته.

يقول أمجد أميني إن الكل يكذب في إيران، الحكومة والشرطة والإعلام، فلم يُغش على ابنتي مرة واحدة أثناء عملها كما ادعت الوكالة الرسمية الحكومية، ولم تكن مريضة بالقلب كما تقول الحكومة، ولم يغش عليها كما تقول الشرطة، وأن التقارير الطبية تم تزويرها بالضغط على الأطباء وتهديدهم، والدليل أنهم لم يظهروا أي أشعة مقطعية لدماغ ابنتي.

واستطاع قراصنة اختراق أنظمة المعلومات في المستشفى والحصول على صورة الأشعة التي أظهرت كسراً في جمجمة المغدورة. ويقول والد مهسا إن الفتيات اللائي كانوا معها في مركز الشرطة أكدوا تعرضها للتعذيب، ولما طالبتُ بمراجعة أشرطة كاميرات المترو وسيارة الشرطة والمركز كانت الحجج مختلفة ولم نتوصل لشيء.

هذه الرواية والرواية المضادة لم تجد جهة تحقيق محايدة بإجراءات شفافة ترفع الحجاب عن المعلومات التي توصل للحقيقة، فالنظام في إيران كما كل الأنظمة الدكتاتورية القمعية، نظام بوليسي يعيش ويتمدد على حجب المعلومات، سواء حقوقية أو مالية أو سياسية، ويسعى في ذلك إلى تجهيل الشعب حتى لا يحاسبه.
سنوات طويلة من الاحتجاجات تعيشها إيران، لا سيما في السنوات العشر الأخيرة، ومع تجدد التظاهرات في كل مرة تلجأ السلطات في إيران إلى تعطيل أو قطع خدمات الإنترنت بهدف التعتيم على التظاهرات والحد من انتشارها، من جهة، والتغطية على القمع المفرط الذي تمارسه تجاه المحتجين، من جهة أخرى

قطع الإنترنت حجاب للثورة

سنوات طويلة من الاحتجاجات تعيشها إيران، لا سيما في السنوات العشر الأخيرة، ومع تجدد التظاهرات في كل مرة تلجأ السلطات في إيران إلى تعطيل أو قطع خدمات الإنترنت بهدف التعتيم على التظاهرات والحد من انتشارها، من جهة، والتغطية على القمع المفرط الذي تمارسه تجاه المحتجين، من جهة أخرى. فبحسب منظمة هيومن رايتس فإن ما لا يقل عن 50 شخصاً قتلوا خلال التظاهرات الأخيرة، ولعل الأرقام قد تزيد في ظل مئات المصابين منهم إصابات خطيرة.

فمنذ أيام تشهد المدن الإيرانية احتجاجات على إثر مقتل مهسا أميني، مدفوعة بتغريدات وصلت إلى ما يزيد عن 50 مليون تغريدة، كانت كفيلة بتحريك الشباب الغاضب، بالأساس، وأسبابه في ذلك متنوعة، بين القمع والبطالة والتهميش والتمييز، والفقر، والتسلط، وتفشي المحسوبية، ومن ثم فإن مقتل مهسا لم يكن السبب الوحيد لاندلاع التظاهرات في عموم إيران، إذ تظهر خريطة التظاهرات أكثر من 80 مدينة بطول البلاد وعرضها.

فعلى الرغم من إضعاف الخدمة أو قطعها، وتعطيل تطبيقات التواصل الاجتماعي مثل تويتر وواتساب وإنستغرام، وهو ما اعترف به وزير الداخلية الإيراني أحمد وحيدي، معللا السبب بالسيطرة على المتظاهرين في الاحتجاجات التي تشهدها البلاد منذ أسبوع! إلا أن موجة التظاهرات تتزايد ورقعتها تتسع، ويتزامن مع هذا الحجب، قمع إعلامي تمثل في اعتقال عدد من الصحفيين في الأيام الأخيرة، والتهم سابقة التجهيز بالقطع، كنشر أنباء كاذبة والتشويش على الرأي العام، والتحريض على التظاهر وأعمال الشغب والتواطؤ ضد الأمن القومي أو تهديده. وهكذا حال كل الأنظمة القمعية، تخشى حتى الكلمة.
موجة التظاهرات تتزايد ورقعتها تتسع، ويتزامن مع هذا الحجب، قمع إعلامي تمثل في اعتقال عدد من الصحفيين في الأيام الأخيرة، والتهم سابقة التجهيز بالقطع، كنشر أنباء كاذبة والتشويش على الرأي العام، والتحريض على التظاهر وأعمال الشغب والتواطؤ ضد الأمن القومي أو تهديده

حجاب الثورة وثورة الحجاب

رغم تغطية بعض وسائل الإعلام العربي تظاهرات إيران الواسعة على استحياء، كل حسب أجندته وعلاقاته ومصالحه، فإن أظهر ما يمكن رؤيته في الإعلام الغربي الذي يفرد مساحات معقولة في ظل الحرب الأوكرانية صاحبة التأثير الأكبر على حياة الغرب، هي تلك التي تحرق فيها النساء حجابهن مع صور رجال الدين في إيران، رفضاً لقمع "شرطة الأخلاق" ورفضاً لتعاليم مرجعياتها، صورة تخاطب العقل الكامن سواء للمواطن الغربي أو العربي المتابع، في ظل شح المعروض من إعلامه، بأن السبب الرئيسي لهذه التظاهرات هو رفض الدين. وعلى الرغم من أن الكل يعرف أن ما يدين به أغلب مواطني إيران ليس كالذي يدين به العرب، في غالبيتهم، سواء من أحكام شرعية أو إحكام مرجعية، فإن الجامع في هذه اللقطات هو الحجاب، رمز الدين الذي على الجميع التخلص منه.

إن ثمانين مدينة خرجت في تظاهرات غاضبة من النظام، بكل أركانه وسياسته، أشعلتها شرارة رفض القمع الذي مثلته "شرطة الأخلاق".. خرجت التظاهرات عفوية، لكنها نظمت من خلال الجماعات والتكتلات الرافضة لسياسات النظام في إيران، منها مَن لها مظالم عرقية، ومنها من لها مظالم مناطقية، كما خرج المهمشون الراغبون في فرصة عمل أو حياة كريمة، ومنهم من قضى ابنه أو أخوه في مغامرات النظام في سوريا والعراق واليمن ولبنان.. الكل اجتمع على كره هذا النظام ورفض سياساته، فتدهور الأوضاع المعيشية والاقتصادية والسياسية في ظل قمع مستمر لحل الأزمات، دفع الجميع للخروج متدثرين بحجة قتل مهسا أميني.

لكن وعلى الخط تتدخل أمريكا، وكالعادة تفرض عقوبات اقتصادية على شرطة الأخلاق الإيرانية والعديد من المسؤولين الأمنيين، متدثرة بحمايتها لحقوق الإنسان، الانتقائية، التي تشهر سيفها في وجه من لا مصلحة لهم معها وتغمده عمن يقدم لها فروض الولاء والطاعة، ولتذهب الحقوق ومعها الإنسان إلى الجحيم.

وإمعاناً في حمايتها للحقوق، فقد قررت وزارة الخزانة الأمريكية تخفيف قيود تصدير التكنولوجيا المفروضة على إيران، وهو ما سيسمح لشركات التكنولوجيا الأمريكية بالتوسع في تقديم خدمات الإنترنت للإيرانيين، المقطوعة عنهم الخدمة، بعد أن رحبت بطلب مؤسس شركة "سبيس إكس"، إيلون ماسك، للحصول على استثناء من العقوبات المفروضة على إيران للسماح بنشر الإنترنت حول العالم ضمن مشروع "ستارلينك"، بل بدأت منصة تليجرام في نشر وسائل إنشاء خوادم والتشبيك عليها لاستخدام انترنت إيلون ماسك. وكان مستشار الأمن القومي، جيك سوليفان، قد أكد أن بلاده ستقوم بتوفير أشكال متعددة من الاستثناءات لصالح دعم قدرة الشعب الإيراني على التواصل فيما بينه ومع العالم!

هذه الخطوات الاستثنائية تجعل كل ثائر أن يطالب بالمعاملة بالمثل، فلطالما انتُهكت حقوق الإنسان في بلاد تصفها التقارير الرسمية الصادرة عن الكونجرس الأمريكي نفسه بأنها بلاد تحكمها أنظمة دكتاتورية، ولا أحد يتحرك لإنقاذ هذا الإنسان والتواصل معه أو فرض عقوبات حقيقية من شأنها أن تسقط هذه الأنظمة أو حتى تضعفها، في ازدواجية بات من الصعب ابتلاعها.
يجب ألا يكون هذا الرفض المتجزئ من قبل الغرب؛ مبنيا على أهداف استراتيجية يقصد بها العرب وجل المسلمين، من خلال تصوير ما يحدث في إيران على أنه ثورة على الحجاب والتعاليم الدينية

ضد انتهاك الحقوق وضد انتهاك الثوابت

قتل بريء تحت التعذيب انتهاك لا يمكن أن يقبله إنسان، ولما كان التعذيب متنوعا، منه ما يقع على فرد ومنه من يقع على مجموعة أو منطقة، ومنه ما يقع على شعب كامل، بسبب الاختلاف في التوجه السياسي أو الأيديولوجي أو العرقي أو حتى الديني، فإن ما وقع على مهسا أميني من قبل النظام في إيران مرفوض، لكن على الغرب أن يرفض بشكل صريح ما يقع من النظام على المعارضين السياسيين الإيرانيين، وعلى الأحوازيين، وعلى البلوش، ثم يرفض ما يحدث للسورين منذ 11 سنة أو يزيد، بدعم طهران المباشر لنظام الأسد في قتل وتشريد شعب بأكمله، وما تقوم به إيران من دمار في اليمن ونهب ثرواته، وهو ما يحدث بالضبط في العراق بشكل أكثر تنظيما بعد أن سيطرت على البلاد.

لكن في المقابل يجب ألا يكون هذا الرفض المتجزئ من قبل الغرب؛ مبنيا على أهداف استراتيجية يقصد بها العرب وجل المسلمين، من خلال تصوير ما يحدث في إيران على أنه ثورة على الحجاب والتعاليم الدينية. فكما أن هناك "شرطة أخلاق" في إيران فهناك أمر بمعروف ونهي عن منكر مأمورين به، وعلى الدولة أن تقوم به فرضاً بحسب ديننا. فالحرية لا تعني بأي حال من الأحوال التحلل، المراد أن يفرض في موجة جديدة بدأت في الزحف علينا من "مجتمع النون" بغطاء الحرية التي يفرضها الغرب بعد أن كان يبشر بها، والنتيجة انحلال أخلاقي يسهل بعده الاحتلال.
النقاش (1)
فايز الشاووش
الثلاثاء، 27-09-2022 04:46 م
أحسنت استاذ ياسر من تحليل وكشف التفاف النظام الايراني على حقيقة مقتل الشابه المتعمد