قضايا وآراء

التفكير والتخطيط العربي المشترك لمواجهة إسرائيل

جواد الحمد
عربي21
شهدت بدايات الصراع العربي- الإسرائيلي منذ العام 1947 عملاً عربياً مشتركاً على المستويات الدبلوماسية والسياسية والأمنية والعسكرية، وشكل هذا التعاون تكريسا عميقاً لمركزية القضية في مواجهة المشروع الصهيوني ووليدته إسرائيل، كما شكّلت ضغطاً موحداً على المجتمع الدولي منذ عصبة الأمم، كما شهدت تطورات الصراع شراكة مهمة بين الدول العربية في حرب 1948 ضد التوسع الإسرائيلي في فلسطين، وكذلك في حرب 1967، حيث كانت تتموضع القوات المسلحة العراقية والباكستانية والسعودية في الأردن، وقوات عربية أخرى في مصر، وثالثة على الجبهة السورية.

وفي حرب عام 1973 شاركت أكثر من عشر دول عربية في تشكيل قوة عسكرية تحت قيادة واحدة لتحرير الأراضي المحتلة، حيث نجحت قيادة القوات العسكرية المصرية بتوجيه ضربات قاصمة لخطوط الدفاع الإسرائيلية فيما عرف بخط بارليف على قناة السويس من جهة سيناء المحتلة، وشكّلت القوات العربية إسناداً لها، وكذا القوات العراقية والأردنية على الجبهة السورية.

ولكن، ومنذ نجاح إسرائيل في القضاء على قوات الثورة الفلسطينية في لبنان عام 1982، ونجاح الولايات المتحدة بتشريد ما تبقّى من قوات فلسطينية على ثلاث دول عربية، كلها ليست من دول المواجهة.. منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم، تراجع العمل العربي المشترك والتخطيط المشترك لمواجهة إسرائيل وعدوانها، والعمل على تحرير الأراضي المحتلة، باستثناء نجاح المقاومة اللبنانية بتحرير جنوب لبنان عام 2000، والمقاومة الفلسطينية في إخراج الاحتلال المباشر لقطاع غزة عام 2005.

وتبنّت الدول العربية عام 2002 في عمل مشترك سياسياً ودبلوماسياً؛ ما سُمّي بالمبادرة العربية للسلام بديلاً لمواجهة إسرائيل المباشرة على الأرض، لكنّ إسرائيل لم تلتفت إلى المبادرة، واعتبرتها كأن لم تكن. ولذلك بقيت المواجهة الشاملة من نصيب المقاومة الفلسطينية واللبنانية دون اشتراك قوات عربية ولا لبنانية ولا غيرها في مواجهة العدوان الإسرائيلي والسعي لتحرير الأراضي المحتلة منه، حيث كانت تجربة توقيع مصر لاتفاق السلام مع إسرائيل عام ١٩٧٨ وخروج أكبر قوة عسكرية عربية من المواجهة معها إسقاطاً للخيار العسكري العربي، وتراجعاً كبيراً في العمل العربي المشترك ضد إسرائيل.

ورغم ذلك فقد بقيت التحركات الدبلوماسية العربية، وعلى الأقل في أروقة الأمم المتحدة، شبه منسقة إلا من خروقات قليلة، ولكنها لم تتمكن من محاصرة إسرائيل دولياً، ولا حققت أي ضغوط دولية فاعلة عليها لتعجيل أي توجهات لها، ناهيك عن تحقيق أي انسحاب عسكري لقواتها من الأراضي المحتلة. وبذلك افتقدت القضية الفلسطينية الدور العربي الفاعل والمؤثر والحيوي في مواجهة إسرائيل، واستفردت إسرائيل بالفلسطينيين في الواقع لدرجة أن تتراجع منظمة التحرير عن ميثاقها بتوقيع إعلان أوسلو عام 1993 مع إسرائيل، والذي أنشا السلطة الوطنية الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة بديلاً عملياً لمنظمة التحرير الفلسطينية وبرنامجها.

وخلال الفترة الفاصلة بين هذه الفترات، والعام 2021، لم يتم التوصل إلى أي وثيقة استراتيجية شاملة تدعو إلى تبنيها من قبل القادة العرب، كأساس لتخطيط عربي مشترك لمواجهة إسرائيل وتحجيمها ووقف تمددها، بل ذهبت بعض الدول العربية للتفاهم معها مباشرة بعيداً عن الجانب الفلسطيني والقضية الفلسطينية، بل وبعيداً حتى عن أسس وقواعدة المبادرة العربية للسلام التي وقّعت عليها هذه الدول، وكانت سابقا تروج لها بديلاً للمواجهة المسلحة، بل وبديلاً للمقاومة الفلسطينية كما جرت وقائع التكيد عليها في القمم العربية منذ عام 2002 وحتى انعقاد آخر قمة عربية في تونس عام 2019.

وعلى أصداء هذا التراجع العربي في العمل المشترك لمواجهة إسرائيل وتحرير الأراضي المحتلة، تمكّن حوالي 200 من الباحثين والخبراء العرب من التوصل إلى ملامح استراتيجية عربية جديدة للتعامل مع الصراع العربي- الإسرائيلي على المديين القريب والمتوسط (2022-2030)، وشارك في بلورة هذه الاستراتيجية عشرات السياسيين ورجال الدولة والمفكرين وقادة الرأي العام العرب من أكثر من 14 دولة عربية، مستعينين بالدراسات والمؤتمرات والمناقشات التي رعاها مركز دراسات الشرق الأوسط في الأردنّ على مدى 17 عاماً، وتعدً هذه المرة الأولى التي ترسم فيها النخبة الفكرية العربية استراتيجية عربية موحّدة لتعرضها على قادة الدول العربية وقادة القوى الشعبية الفاعلة لتبنّيها، والعمل وفقها في التفكير والتخطيط في التعامل مع إسرائيل على مختلف المستويات.

وقد اعتبر ذلك نقلة نوعية في تطوير دور النخب وتجسير الفجوة بين صنّاع القرار العربي وبين النخب الفكرية والعلمية والمثقفة (الانتلجنسيا)، بهدف مساعدة القادة السياسيين على اتخاذ استراتيجيات وسياسات وقرارات منهجية قابلة للتطبيق، لتحقيق مصالح الأمة العربية والشعب الفلسطيني في الصراع مع إسرائيل والمشروع الصهيوني في فلسطين والعالم العربي.

ولذلك يفتح إنجاز هذه الوثيقة الاستراتيجية الأبواب أمام التفكير الجادّ بقدرة العرب على التفكير والتخطيط المشترك، وخاصة فيما يتعلق بالصراع العربي- الإسرائيلي.

ويعدّ صدور هذه الوثيقة النوعية كنتاج علمي تم طرح مسودته ومناقشتها وإثرائها في ظل التحولات في المنطقة، في ندوة عقدها مركز دراسات الشرق الأوسط في الأردن يومي 20-21 تشرين الثاني/ نوفمبر 2021، فرصة سانحة للقادة العرب في مؤتمراتهم واتصالاتهم الثنائية والجزئية لبلورة منهجية استراتيجية فاعلة في التعامل مع إسرائيل والصراع مع المشروع الصهيوني؛ حيث صدرت الوثيقة في وقت تراجعت فيه البوصلة العربية المشتركة، وفي ظل تغوّل إسرائيل ونجاحها في اختراق الموقف العربي بتطبيع كامل بينها وبين دول عربية لا تقع في دائرة الصراع معها، والذي نال خمس دول عربية.

ولذلك فإن الوثيقة تتطلّب القيام بدراستها وتبنّيها، وتحويلها إلى الأجهزة والجهات المعنية في الدول العربية فردياً وجماعياً، وكلٌّ في اختصاصه، لبناء خطط ومشاريع عمل وسياسات ومواقف جديدة وصلبة تجاه الصراع العربي- الإسرائيلي، وكسر عدد من السياسات التي فشلت في إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، واستحضار بعض الوسائل التي أثمرت سابقا في مواجهتها بأشكال مختلفة، وبما يحقق أهداف الأمة العربية والشعب الفلسطيني في التحرير والعودة، وبناء الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة على أرض فلسطين وعاصمتها القدس، وعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم التي هُجّروا منها. وهي كذلك فرصة متاحة لقيادات القوى الشعبية العربية والفلسطينية منها على وجه الخصوص لاستعادة قوة وزخم الدعم والمشاركة الرسمية والشعبية في مواجهة إسرائيل ومشروعها التوسعي العدواني في فلسطين والعالم العربي وعلى الصعيد الدولي، بكافة أشكال المشاركة والإسناد المتاحة لكل دولة أو جهة.

وبما أن المركز قد قام بجهد كبير على مدى ستة شهور بإيصالها إلى جميع القادة العرب بطرق مختلفة، وكذلك توزيعها على مئات السياسيين والمفكرين والبرلمانيين العرب، وأعضاء الحكومات العربية، ومراكز الأبحاث العربية، فقد توفرت الفرصة بجاهزية عالية للبناء على ما توصلت إليه الوثيقة وتطويره للتوصل إلى تفكير وتخطيط عربي مشترك، ثم التأسيس له استراتيجياً ومؤسسياً على مستوى العمل العربي المشترك رسميا وشعبيا، وذلك بهدف مواجهة الفكر والسياسات التوسعية والعدوانية الإسرائيلية، وتحجيم قدرة إسرائيل على التمدد في الوطن العربي، واحتواء الأخطار الناجمة عن احتلالها لفلسطين وتشريد أهلها، والتحوّل نحو مواجهتها بكافة الأشكال والوسائل المتاحة، وبتكامل للأدوات وتبادل للأدوار سواء على صعيد الدول العربية، وخاصة دول المواجهة، أو على صعيد الشعب الفلسطيني بين فصائل المقاومة والسلطة الفلسطينية، والقوى الاجتماعية والسياسية الفلسطينية، ومنظمة التحرير.
النقاش (0)