قضايا وآراء

من الذي يمنع قيام انتفاضة ثالثة؟

حلمي الأسمر
عربي21

حسب تصنيفات الجهات الأمنية الصهيونية، فإن ما يجري في فلسطين اليوم لم يبلغ مرتبة أن يسمى "انتفاضة" لأن عمليات المقاومة لم تصاحبها حتى الآن تحركات جماهيرية تنخرط فيها مجاميع بشرية كبيرة، ولكنها وفق نفس التصنيفات تشبه حالة "تمرد" خطيرة، يمكن أن تتحول إلى حالة الانتفاضة، لأكثر من سبب:

أولا ـ أنها تقوم على أكتاف شباب عشرينيين معظمهم غير مؤطرين بتنظيمات تقليدية معروفة، تمتلك سلطات الاحتلال قاعدة معلومات ضخمة عنهم، وتستطيع التنبؤ بما يخططون لفعله، سواء وفق المعلومات المتوفرة عنهم، أو عبر عمليات المراقبة الحثيثة لتحركات عناصرهم، هؤلاء الفدائيون الجدد بلا سجلات "أمنية" وغير معروفين لأجهزة الأمن الصهيونية أو أجهزة أمن السلطة، ولا يعرف أحد كيف ينتقلون من حالة السكون إلى الحركة!

ثانيا ـ دخول ظاهرة جديدة على خط المقاومة، وهو انضمام بعض عناصر الأمن الفلسطيني التابع لسلطة رام الله، وهذا الأمر وإن كان في بداياته إلا أنه يشكل كابوسا يقض مضاجع الأمن الصهيوني، لأن لدى هؤلاء أنواعا من الأسلحة غير موجودة لدى الشباب الآخرين، إضافة إلى أنهم تلقوا تدريبات عسكرية رفيعة المستوى سواء في الداخل الفلسطيني أو لدى "دول الجوار!" وإلى هذا وذاك فقد زرعت هذه الظاهرة نوعا من الشك لدى العناصر الصهيونية المكلفة بترتيب عمليات التنسيق الأمني مع عناصر من سلطة رام الله، حيث بات هؤلاء العناصر مضطرين للتعامل مع عناصر فلسطينية لا يعلمون بالضبط هل هم شركاء أم أعداء، بذرة الشك هذه باتت مسألة مؤرقة لعناصر أمن العدو.

ثالثا ـ رغم الحاجة الدائمة لدى أجهزة أمن الاحتلال لمواجهة المقاومين الفلسطينيين بمنتهى الخشونة والقسوة والإجرام، الأمر الذي يترتب عليه وقوع ضحايا كثر في الجانب الفلسطيني، إلا أن هذا الأمر يثير قلق دوائر صنع القرار الأمني الصهيوني، فهو وإن كان يسجل ك_ "نجاح" على جبهة مقاومة المقاومة، إلا أنه بات سببا لتجنيد مزيد من الشباب الفلسطيني لصفوف المقاومة، حيث تحول "الشهيد" إلى قدوة وأنموذج لكثير من أبناء الشبيبة في فلسطين، ومع كل عملية استشهاد يلاحظ أن تلك المكانة التي يحظى بها الشهيد لدى أهله وأقاربه ومعارفه وحتى عموم أبناء الشعب الفلسطيني، بدأت تجذب إلى دائرتها مزيدا من الشباب الطامحين لتبؤ هذه المكانة، وتلك لحظة تاريخية لافتة في تاريخ الشعب الفلسطيني، إذ أن تحول جحافل كثيرة من شباب فلسطين لمثل هذا النموذج، يعني أن هناك مستودعا لا ينفذ من المقاومة، يرفع من كلفة الاحتلال الصهيوني الذي كان حتى وقت قريب احتلالا مريحا ومربحا، بل إنه اليوم تحديدا لم يعد كذلك، فما بالك حينما يتطور الأمر إلى ما هو أكثر من ذلك؟ 

 

الضفة الغربية اليوم تعيش حالة مخاض، يصعب التنبؤ بما ستؤول إليه، خاصة مع زيادة توحش المستوطنين وهجومهم المستفز والمستمر على الشجر والحجر والبشر والأقصى المبارك والمقدسات، ولعل الجانب الأكثر خطورة اليوم، أن هناك حراكا محموما غير مرئي تماما، وعلى أكثر من صعيد، يستهدف إنقاذ الاحتلال من تحول حالة الهيجان الفلسطيني إلى حالة انتفاضة من نوع جديد،

 



ويكفي هنا أن نستذكر أن مواجهة الاحتلال لهبة فلسطين اليوم يكلفه فتح جبهة تشبه الحرب، وتدفع بالجنرال اسحاك بريك، القائد السابق للكليات العسكرية في الجيش الإسرائيلي إلى أن يحذر في مقابلة مع الإذاعة العبرية الرسمية أخيرا، من أن الإسرائيليين يمكن أن يفقدوا دولتهم في الحرب القادمة لعدم جاهزية الجيش لها، وقد سبق هذا التصريح الغريب تصريح آخر أكثر خطورة، حيث أكد من يسمى "مراقب الدولة" الصهيوني أن جيش الاحتلال غير مستعد لوجستيا لتعزيز قواته البشرية في الضفة الغربية، في ظل تصعيد الاحتلال عدوانه على الفلسطينيين وسماحه للمستوطنين بتكثيف اقتحاماتهم للمسجد الأقصى، وقال إن الجنود لا يحصلون في قواعدهم العسكرية على الطعام كما هو مطلوب، مع ارتفاع درجة حرارة مياه الشرب، ومكيفات الهواء غير الفعالة، والحاجة لتحسين الاستجابة الطبية، ويكفي هنا أن نعلم أن جيش الاحتلال دفع للضفة الغربية حتى الآن بـ 22 كتيبة مشاة إضافية وجند قوات احتياط، وهذا العدد مرشح للازدياد حال اتسعت دائرة المقاومة!

الضفة الغربية اليوم تعيش حالة مخاض، يصعب التنبؤ بما ستؤول إليه، خاصة مع زيادة توحش المستوطنين وهجومهم المستفز والمستمر على الشجر والحجر والبشر والأقصى المبارك والمقدسات، ولعل الجانب الأكثر خطورة اليوم، أن هناك حراكا محموما غير مرئي تماما، وعلى أكثر من صعيد، يستهدف إنقاذ الاحتلال من تحول حالة الهيجان الفلسطيني إلى حالة انتفاضة من نوع جديد، وفق تعبير أحد المحللين الصهاينة، انتفاضة تجمع بين ما ميز كل من الانتفاضتين الأولى والثانية، من حيث الجمع ما بين المقاومة المسلحة والتحركات الاحتجاجية الجماهيرية الكبيرة، فضلا عن أن اشتعال نار الانتفاضة الثالثة قد يفتح الباب لدخول غزة وفلسطينيي الداخل على خط المواجهة، وغير مستبعد أيضا اشتعال جبهة الشمال مع لبنان، وهو أسوأ سيناريو ممكن أن يتخيله أي صهيوني، مع ما يرافق هذا من خلق وقائع جديدة على الأرض، قد تودي بسلطة رام الله، وقد تمتد آثارها إلى دول الجوار، كل هذا يدفع بدوائر صنع القرار في أمريكا وبعض دول الجوار ناهيك عن سلطة رام الله، للتحرك بشكل محموم لإنقاذ الكيان من هذا "الخطر" المميت.

الأمل معقود هنا على الله تعالى أولا، ثم على قوة وإرادة الأهل في فلسطين، وقدرتهم على الصمود لمواجهة كل هذا التآمر والتوحش، وثالثا على الإسناد الشعبي العربي والإسلامي لفلسطين ولأهلها عبر إبداء التضامن والتأييد ولو بالحد الأدنى من النشاط.


النقاش (0)