أفكار

إلزامية الشورى ومسألة الأغلبية (1 من 3)

ماذا قال القرآن في الشورى المعلمة والملزمة؟ رأي الريسوني

أحمد الريسوني: الرأي الذي أقول به ولا أتردد فيه: هو لزوم الأخذ برأي الأغلبية في المجالس والهيئات الشورية التقريرية
أحمد الريسوني: الرأي الذي أقول به ولا أتردد فيه: هو لزوم الأخذ برأي الأغلبية في المجالس والهيئات الشورية التقريرية

أعاد الرئيس السابق للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين العالم المقاصدي المغربي الدكتور أحمد الريسوني طرح السؤال القديم المتجدد: هل الشورى ملزمة للإمام وعليه الانقياد للغالبية أم لا؟ وهو سؤال يتصدر المشهد السياسي العربي والإسلامي في السنوات الأخيرة، لا سيما مع ثورات الربيع العربي التي فتحت الباب لمشاركة الإسلاميين في الحكم لأول مرة في تاريخهم المعاصر، قبل أن يعودوا لذات مربع المحنة الذي عايشوه على مدى نصف قرن من الزمان.

أهمية سؤال إلزامية الشورى من عدمها للحاكم، لا يخص الإسلاميين ولا يرتبط بهم فحسب، وإنما هو سؤال ملزم للتجارب العربية والإسلامية، التي لا تزال تطمح إلى إمكانية نحت كيانها الديمقراطي من مدخل التداول السلمي على المناصب القيادية، وقبل ذلك التوصل إلى صيغ تؤسس للشراكة الحقيقية في تقرير المصير.

"عربي21"، تنشر ورقة الريسوني عن الشورى الملزمة والشورى المعلمة في ثلاثة أجزاء، بالتزامن مع نشرها عتلى صفحة الدكتور الريسوني، تعميقا للحوار. 


رأيان في الأخذ بالشورى

لقد جرى في عصرنا هذا نقاش واسع حول ما إن كانت الشورى ملزمة أو معلمة، بمعنى أن الأمير ـ أو أي مترئس ـ إذا تشاور مع أهل الشورى عنده، هل تكون مشورتهم وآراؤهم ملزمة له، ويتعين عليه الأخذ بها، أم إنها معلمة لا ملزمة، بحيث يستوضح منهم ويستنير بآرائهم، ثم يختار ويقرر ما بدا له، مما يوافق آراءهم أو يخالفها؟

عامة العلماء المتقدمين ـ من الفقهاء والمفسرين وغيرهم ـ يستفاد من كلامهم أن الأمير إذا استشار مع أهل شوراه، فإنه يأخذ من ذلك بما يراه صوابا، وما يبدو له راجحا، وبما هو في نظره حق أو أقرب إلى الحق. فالمرجع في النهاية. هو رأيه وتقديره. وهذا هو معنى "الشورى المعلمة".

وأما المعاصرون، من علماء ومفكرين، فيميل أكثرهم ـ بشكل متزايد ـ إلى ضرورة التزام الأمير المستشير بما اتفق عليه مستشاروه، كلهم، أو أكثرهم. وهذه هي "الشورى الملزمة".

ومنهم من فصل وفرق، فجعل الشورى ملزمة في حالات وغير ملزمة في حالات أخرى. وهذا ما ذهب إليه الدكتور قحطان الدوري، حيث يرى أن الاختلاف إذا وقع بين الإمام وهيئة الشورى في مسألة اجتهادية لا نص فيها، "فالترجيح للإمام وحده إذا كان مجتهدا، سواء وافق رأي الأغلبية أم خالفه. وعليه، فحق تشريع القوانين ـ فيما لا نص فيه ـ وتعديلها وإلغاؤها، بيد الإمام المجتهد.

وأما إذا كان الإمام غير مجتهد، أو كان الإمام مجتهدا، ولم ير رأيا، وأوكل تقرير الأمر إلى مجلس الشورى، واختلف أعضاء المجلس فيه، أخذ برأي الأغلبية".

والحق أن العلماء المتقدمين ـ من مفسرين وفقهاء وغيرهم ـ لم يناقشوا هذه المسألة نقاشا حقيقيا، ولم يستعرضوا أدلة على الإلزام أو الإعلام، إلا ما يتعلق بالشورى النبوية، حيث يذكر بعضهم أنه صلى الله عليه وسلم كان في غنى أصلا عن المشاورة وعن آراء المشاورين، فكيف يكون ملزما بآرائهم؟!

غير أننا إذا تجاوزنا هؤلاء المتقدمين، إلى من هم أقدم منهم وأسبق، أي إلى السيرة النبوية، وسنة الخلفاء الراشدين وعموم الصحابة، فسنجد التوجه واضحا إلى الالتزام بمقتضى الشورى، والأخذ بما اتفق عليه المستشارون، أو ذهب إليه أكثرهم.

وبما أن مسألة إلزامية الشورى تتداخل ـ حتى تكاد تتطابق ـ مع مسألة الأغلبية، فإني سأعرض الأدلة المشتركة بينهما، عند التطرق ـ قريبا ـ إلى مسألة الأغلبية.

وأكتفي الآن ببعض الآثار الدالة على التوجه المبدئي القاضي بالأخذ بنتيجة الشورى، ممثلة في الرأي المتفق عليه، أو الرأي الغالب، عند المستشارين.

من ذلك، الحديث الذي تقدم، في الأمر ينزل ليس فيه كتاب ولا سنة، قال: "… اجعلوه شورى بينكم، ولا تقضوا فيه برأي واحد".

فالتوجيه واضح إلى اتباع الرأي الجماعي، وتحاشي اتباع الرأي الفردي. فهو ـ عليه السلام ـ لم يقل: تتشاورون فيه، ثم يقضي فيه أميركم، بل نهى عن التفرد بالأمر.

وكذلك قوله لأبي بكر وعمر: "لو اجتمعنا في مشورة ما خالفتكما". فإذا كان القائل هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقول هذا لاثنين من تلاميذه وأتباعه، فكيف بمن يستشير جماعة، وهم في الغالب من أنداده وطبقته؟!

"وأخرج أبو داود في (المراسيل) من رواية عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين، أن رجلا قال: يارسول الله، ما الحزم؟ قال: أن تشاور ذا لب ـ وفي رواية: ذا رأي ـ ثم تطيعه".

وإذا كان هذا هو اللازم ـ أو اللائق ـ لمن يستشير شخصا واحدا ذا رأي، فإن من يستشير جماعة من خيرة علماء الأمة وذوي الرأي فيها، أولى له ذلك وألزم. وهذا ما تدل عليه مشورات الخلفاء الراشدين، وخاصة أبا بكر وعمر. وقد تقدم بعض من ذلك. ومنه أيضا قولة أبي بكر لعمرو بن العاص حين أرسل إليه خالد بن الوليد: “شاورهم ولا تخالفهم".

وروي عن عمر بن عبد العزيز ـ الخليفة الراشد ـ أنه لما ولي إمارة المدينة، دعا عشرة من فقهائها… وقال لهم؛ "إني إنما دعوتكم لأمر تؤجرون عليه، وتكونون فيه أعوانا على الحق. ما أريد أن أقطع أمرا إلا برأيكم، أو برأي من حضر منكم".

 

القول بإلزامية الشورى، إنما هو في حقيقته ومآله قول بمبدأ الأغلبية. فإلزامية الشورى تعني في النهاية الأخذ برأي الأكثرية من المستشارين. فحينما يجري التشاور في أمر، نكون في الغالب أمام إحدى حالتين: حالة إجماع المتشاورين على رأي واحد. وهذه الحالة لا كلام فيها، فالأمر فيها جلي واضح.

 



وأما ما ذهب إليه الدكتور الدوري من أن الإمام إذا كان مجتهدا فإنه يتبع رأيه واجتهاده ولو خالف هيئته الشورية، وأنه ينفرد بالتشريع فيما لا نص فيه، فربما بناه على ما يقوله الأصوليون من أن المجتهد لا يقلد غيره من المجتهدين، بل يتبع ما يؤديه إليه اجتهاده. وهذا إنما يكون في الاجتهاد العلمي المحض، الذي يمارسه أي عالم في تخصصه، ولا يكون له صفة الإلزام لعموم الناس. فمن حق كل صاحب رأي أوصله إليه نظره واجتهاده أن يأخذ به لنفسه أو يفتي به غيره، وله أن يدافع عنه ويتمسك به، فمن شاء اتبعه فيه ومن شاء اتبع غيره.

وأما ما نحن فيه، فهو الرأي الذي يصبح تشريعا عاما نافذا على الناس، وكذلك الرأي المتعلق بتدبير شؤون الناس ومصالحهم، ويكون لازما لهم كذلك، بحكم الحاكم وسلطانه. فهنا لا ترد مسألة تقليد المجتهد لغيره أو عدم تقليده، وحتى إذا أردنا تطبيقها هنا، فنقول: الإمام المجتهد له أن يتمسك لنفسه برأيه، المخالف لرأي مستشاريه، وله أن يعتقد صوابه أو رجحانه، وله أن يستمر في بيانه والدفاع العلمي عنه. وهو بهذا يكون غير مقلد لغيره، فردا أو جماعة. لكن الرأي المتبنى والمعتمد لينفذ على الأمة وعلى الجماعة، فهذا ـ من الناحية العملية ـ له شأن آخر، هو ما نحن بصدد بيانه وتفصيله.

مسألة الأغلبية

القول بإلزامية الشورى، إنما هو في حقيقته ومآله قول بمبدأ الأغلبية. فإلزامية الشورى تعني في النهاية الأخذ برأي الأكثرية من المستشارين. فحينما يجري التشاور في أمر، نكون في الغالب أمام إحدى حالتين: حالة إجماع المتشاورين على رأي واحد. وهذه الحالة لا كلام فيها، فالأمر فيها جلي واضح.

والحالة الثانية: انقسام المتشاورين إلى رأيين أو أكثر. وكل رأي كان عليه أكثر المتشاورين، فهو رأي الأكثرية، أو الأغلبية. وكل رأي كان عليه العدد القليل، فهو رأي الأقلية. وحتى حينما يتفق المستشارون على رأي واحد، ويكون رأي الأمير ـ أو الرئيس ـ على رأي مخالف، فنحن هنا أيضا نكون أمام رأي للأغلبية، وآخر للأقلية، وإن كانت هذه الحالة هي كذلك نادرة الوقوع.

إذن، فالغالب المعمول عليه في المشاورات: إما إجماع لا إشكال فيه. وإما انقسام في الرأي ما بين أكثرية وأقلية. فهذا هو أكثر ما يقع، وهو محل النزاع، وهو موضوعنا الآن.

والرأي الذي أقول به ولا أتردد فيه؛ هو لزوم الأخذ برأي الأغلبية في المجالس والهيئات الشورية التقريرية.

وبما أن هذه القضية بشقيها أو بوجهيها (الإلزامية واتباع الأغلبية) هي المحدد الأكبر لمسار الشورى ومصيرها، فلا بد من الوقوف عندها وبسط الأدلة فيها بما يكفي ويشفي إن شاء الله تعالى.

1 ـ النظر في القرآن الكريم

مما لا شك فيه، أن القرآن الكريم ليس فيه ذكر لهذه المسألة ولا تصريح بحكمها، غير أن بعض المعاصرين ذهبوا إلى محاولة إبطال القول بالأغلبية، اعتمادا على ما في القرآن من ذم للكثرة والأكثر من الناس.

من هؤلاء الدكتور حسن هويدي، الذي يوضح هذا الوجه من وجوه اعتراضه على مبدأ الأغلبية بقوله: “فقد وردت الآيات الكريمة كنصوص عامة من كتاب الله تذم الأكثرية وتمدح الأقلية.

قال الله تعالى: "وإن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ" وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ" "وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ" " وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُون" " قُل لَّا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ" "وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ" "وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ". وهكذا، نجد أن الخيرة هم القلة، حين مقارنة المؤمنين بالكافرين، وحين مقارنة المؤمنين بعضهم ببعض. فأين أمست الكثرة بعددها أمام القلة بفضلها؟”.

 

الرأي الذي أقول به ولا أتردد فيه؛ هو لزوم الأخذ برأي الأغلبية في المجالس والهيئات الشورية التقريرية.

 



ومنهم الدكتور أحمد رحماني، الذي ألف كتابا كبيرا سماه (الحقيقة الجوهرية في مشكلة الأكثرية والأقلية ـ دراسة في التفسير الموضوعي). ولشدة حماسة المؤلف لنصرة الأقلية وتسفيه الأكثرية، فقد وقع في كثير من الخلط والتعميم والتبسيط، رغم إقراره ببعض الاستثناءات والخصوصيات.

وقد لخص نتيجة كتابه بقوله: "وقد انتهى ـ بعد بحث مدقق ـ إلى نتيجة أساسية، هي أن الأكثرية (الجماهير الشعبية) على مدار التاريخ البشري، تقف في الجانب السلبي، وأن الأقلية الواعية هي التي تقف في الطرف الإيجابي، متمثلة فيما عبر عنه المصطلح الإسلامي بـ (جمهور العلماء) ومن اتبعهم". 

ويؤكد المؤلف أنه حتى "على مستوى الدول الإسلامية نفسها، نلاحظ مشكلة محاربة أصحاب الدعوة الإسلامية وكثرة الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا ويبغونها عوجا. والعلة وراء كون الأكثرية دائما في الطرف السلبي، والأقلية فقط هي التي تكون في الطرف الإيجابي، هو أن الإنسان يكمن سر كماله واستقامته في استكمال قوته، قوة النظر والعلم وقوة الكسب والعمل".

ويختم الباحث كتابه بقوله: "فهل آن الأوان لنفكر بجد ونعود لعقلنا، فنعطي القيادة للأقلية الصالحة، وهم جمهور العلماء ومن سار على هديهم من الصالحين؟".

 

إذا كان القرآن الكريم قد ذم في عدد من آياته الأكثرية، أو بعض الأكثريات، فإنه أيضا ـ في آيات كثيرةـ كذلك قد ذم (الملأ)، ووصفهم بالضلال والإضلال، ووضعهم في مقدمة المناهضين لدعوات الأنبياء، الحاجزين لأقوامهم وجماهيرهم عن الاستجابة لها، وحتى عن الإنصات إليها.

 



ولست أدري ما جدوى توجيه هذه الدعوة إلى التعقل وتسليم القيادة للأقلية الصالحة، ما دامت الأكثرية المعنية بهذه الدعوة تقف "دائما في الطرف السلبي"؛ لأنها لا تملك "قوة النظر والعلم وقوة الكسب والعمل؟".

على أن الانزلاق الأساس الذي يقع فيه أصحاب هذا الفهم لموضوع الأكثرية المذمومة في القرآن الكريم، هو عدم مراعاتهم للسياق والنطاق اللذين يأتي فيهما هذا الذم. فالآيات التي تذم "أكثر الناس" أو "أكثرهم" تتحدث عادة عن الكافرين، عن المشركين، عن المتكبرين، عن المنافقين، عن أهل الكتاب، ومجال ذمهم هو كبرهم وكفرهم بالحقائق الغيبية، وما يترتب عن ذلك من استخفاف بالدار الآخرة، وبالقيم والأعمال الأخروية.

وهذه الأمور كلها مصدرها الوحي والخبر اليقين. وكل من لم يعتمد الوحي مصدرا لها، فهو إلى ضلال، سواء كان من العوام ومن السواد والأكثرية، أو كان من النخبة المتعالمة المتعالية. ومن هنا، لم يكن الضلال والذم القرآني من نصيب العامة بأكثر مما هو من نصيب النخبة، سواء كانت نخبة حاكمة أو نخبة متعالمة.

وقد كان عدد من الفلاسفة والمفكرين والأذكياء، هم كبار الضالين المضلين. فهل كان هؤلاء على مر الأزمان وتعاقب الأمم والأجيال، من الأكثرية أو من الأقلية؟ أو هم أكثرية الأقلية، أو هم الأقلية التي تقود الأكثرية؟

وإذا كان القرآن الكريم قد ذم في عدد من آياته الأكثرية، أو بعض الأكثريات، فإنه أيضا ـ في آيات كثيرة ـ كذلك قد ذم (الملأ)، ووصفهم بالضلال والإضلال، ووضعهم في مقدمة المناهضين لدعوات الأنبياء، الحاجزين لأقوامهم وجماهيرهم عن الاستجابة لها، وحتى عن الإنصات إليها.

فمن عهد نوح عليه السلام نجد: قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (60).. فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (27). إلى محمد صلى الله عليه وسلم: وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (6).

مرورا بالرسل والأنبياء كافة مع أقوامهم، حيث الملأ (النخبة المهيمنة) يتصدون بكل الوسائل الممكنة لدعوات الأنبياء لصد الناس عنها، من مثل: قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (88). وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (90).

وحتى في الإسلام وفي المجتمع الإسلامي، فقد رويت أحاديث وآثار تحذر من فساد النخبة القيادية، وهم العلماء والأمراء، وأن بفسادهم يفسد المجتمع، كما أن في صلاحهم صلاح المجتمع.

ومن مشكاة النبوة، نبع قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "اعلموا أنه لا يزال الناس مستقيمين ما استقامت لهم أئمتهم وهداتهم"، وهو تحذير من أن الانحراف العام سيأتي بسبب انحراف الأئمة والقادة.

وهذه القولة العمرية كأنها تكرار لقولة مماثلة لأبي بكر الصديق رضي الله عنه، ففي الصحيح: "دخل أبو بكر على امرأة من أحمس يقال لها زينب، فرآها لا تكلم، فقال: ما لها لا تكلم !؟ قالوا: حجت مصمتة. فقال لها تكلمي، فإن هذا لا يحل، هذا من عمل الجاهلية. فتكلمت فقالت من أنت؟ قال امرؤ من المهاجرين، قالت: أي المهاجرين؟ قال: من قريش. قالت من أي قريش أنت؟ قال: إنك لسؤول، أنا أبو بكر. قالت: ما بقاؤنا على هذا الأمر الصالح الذي جاء الله به بعد الجاهلية؟ قال: بقاؤكم عليه ما استقامت بكم أئمتكم، قالت: وما الأئمة؟ قال: أما كان لقومك رؤوس وأشراف يأمرونهم فيطيعونهم؟ قالت: بلى. قال: فهم أولئك على الناس".

 

من الآيات التي تشعرنا بأن الشورى الحقيقية هي التي يكون الرأي فيها جماعيا والقرار مشتركا، ولا ينفرد بذلك أحد، آية الشورى (وأمرهم شورى بينهم)، فالأمر يكون شورى بينهم، إذا ظل ملكا لهم جميعا، وأخذ بالاعتبار رأيهم جميعا، ثم يحسم بقول مجموعهم أو أكثرهم. فالأمر من أوله إلى منتهاه دائر بينهم ولا يؤول إلى واحد منهم، إلا برضاهم.

 



قال الحافظ ابن حجر: "الأمر الصالح: أي دين الإسلام وما اشتمل عليه من العدل واجتماع الكلمة ونصر المظلوم ووضع كل شيء في محله". إلى أن قال يبين كلام أبي بكر، قوله: (أئمتكم)؛ أي لأن الناس على دين ملوكهم، فمن حاد من الأئمة عن الحال مال وأمال". 

ولقد ذهب بعضهم إلى استهجان الكثرة في ذاتها والاستخفاف بها وإهدار قيمتها، وذلك اعتمادا منهم على الآية الكريمة: قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (100)[6]، مع أن الآية ليس فيها انتقاص للكثرة ولا أي تفضيل للقلة على الكثرة. فهي إنما تنتقص الخبيث ولو كان كثيرا، وتقرر أن القليل من الطيب خير من الكثير الخبيث. فالمقارنة والمفاضلة هنا ليست بين قلة وكثرة، وإنما بين طيب وخبث. أما الكثرة في حد ذاتها فمحمودة حسنة، وهي نعمة يمتن الله بها على عباده: وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (86).

أما الذي يستحق الاستهجان فعلا، فهو إقحام المسلمين في مقارنة تتعلق بالخبيث والطيب، وتشبيه كثرتهم بكثرة الخبيث، مع أن الخبيث يراد به المشرك والكافر والمنافق، ويراد به الكسب الحرام، أو الشيء النجس المستقذر!

والمسلمون المؤمنون في عمومهم طيبون وطيبات. والشيء الطيب ـ بدون شك ـ كثيره أفضل من قليله، مثلما أن الشيء الخبيث قليله خير من كثيره. فالزيادة الكمية والعددية فيما هو طيب، هي زيادة خير وفضل. وهذا ينطبق على عموم المسلمين، فكيف إذا تعلق الأمر بأهل شوراهم وعلمائهم وذوي الحل والعقد فيهم؟!

ومن لطائف الاستنباطات وعجيب المفارقات، ما ذهب إليه ابن عرفة التونسي، وحكاه عن ابن المنير الإسكندري، من أن هذه الآية نفسها: "قُلْ لَّا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ"، تدل على الاعتداد بالكثرة والترجيح بها. فقد نقل عنه ابن عاشور قوله في تفسيره: "وكنت بحثت مع ابن عبد السلام، وقلت له: هذه الآية تدل على الترجيح بالكثرة في الشهادة؛ لأنهم اختلفوا إذا شهد عدلان بأمر، وشهد عشرة عدول بضده. فالمشهور أن لا فرق بين العشرة والعدلين، وهما متكاملان (أي متساويان). وفي المذهب قول آخر بالترجيح بالكثرة. فقوله (وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ)، يدل على أن الكثرة لها اعتبار، بحيث إنها ما أسقطت إلا للخبث، ولم يوافقني عليه ابن عبد السلام بوجه. ثم وجدت ابن المنير ذكره بعينه".

ومما يدل على الاعتداد بالكثرة الطيبة وإعلاء مقامها، ما جاء في صحيح مسلم (كتاب الجنائز)، عن أنس بن مالك قال: "مُرَّ بجنازة فأُثنيَ عليها خيرا، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: "وجبت وجبت وجبت". ومُرَّ بجنازة فأُثنيَ عليها شرا، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: "وجبت وجبت وجبت". قال عمر: فدى لك أبي وأمي، مر بجنازة فأثني عليها خيرا، فقلت: وجبت وجبت؟ ومر بجنازة فأثني عليها شرا، فقلت: وجبت وجبت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: "من أثنيتم عليه خيرا وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شرا وجبت له النار. أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض أنتم شهداء الله في الأرض". ومعناه الصحيح عند الإمام النووي: "أن كل مسلم مات فألهم الله الناس أو معظمهم الثناء عليه، كان ذلك دليلا على أنه من أهل الجنة".

فإذا كانت شهادة الكثرة من المؤمنين يعتد بها في الحكم بالجنة والنار، فكيف لا يعتد بها في شؤون الدنيا ومصالحها، أو في اختيار الأصلح للولايات والإمارة ونحوها؟!

ومن الآيات التي تشعرنا بأن الشورى الحقيقية هي التي يكون الرأي فيها جماعيا والقرار مشتركا، ولا ينفرد بذلك أحد، آية الشورى (وأمرهم شورى بينهم)، فالأمر يكون شورى بينهم، إذا ظل ملكا لهم جميعا، وأخذ بالاعتبار رأيهم جميعا، ثم يحسم بقول مجموعهم أو أكثرهم. فالأمر من أوله إلى منتهاه دائر بينهم ولا يؤول إلى واحد منهم، إلا برضاهم.

ومن الآيات التي يمكن الاسترشاد بها والاستئناس بها في الموضوع، ما جاء في قصة ملكة سبأ، حيث حكى الله تعالى عنها أنها: قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (29) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (31) قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (32).

والشاهد عندي هو قولها: (ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون).

وحتى يستقيم الاستشهاد بقول ملكة سبأ، ولا يبقى فيه مجال للإنكار والاعتراض، لا بد من التنبيه على أمرين:

الأول: ما قرره الشاطبي ـ ولا أعلم مخالفا له فيه ـ وهو: "كل حكاية وقعت في القرآن، فلا يخلو أن يقع قبلها، أو بعدها ـ وهو الأكثر ـ رد لها، أوْلا. فإن وقع رد فلا إشكال في بطلان ذلك المحكي وكذبه. وإن لم يقع رد، فذلك دليل على صحة المحكي وصدقه… فإن القرآن سمي فرقانا، وهدى وبرهانا، وبيانا وتبيانا لكل شيء. وهو حجة الله على الخلق، على الجملة والتفصيل، والإطلاق والعموم. وهذا المعنى يأبى أن يحكى فيه ما ليس بحق، ثم لا ينبه عليه".

وما قالته ملكة سبأ والتزمت به، من أنها لا تبرم أمرا إلا بموافقة ملئها، ليس عندنا في القرآن، لا في الموضع نفسه ولا في غيره، ما يرده ويبطله.

وكذلك في سنة المصطفى وسيرته صلى الله عليه وسلم، لا تجد إلا ما يشهد له ويؤيده، على ما رأينا وما سنرى. ومن هنا، فلا مجال لإبطال ما قالته هذه المرأة والتزمت به، وحكاه الله عز وجل على عباده إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. ولا دليل على تلك النزعة الاتهامية، التي عبر عنها الأستاذ عدنان النحوي بقوله: “فلم تكن الشورى التي طلبتها، بحثا عن مخرج، أو تحريا لحق، إنها لم تكن أكثر من أسلوب في الإدارة، ونمط من أنماط الحكم، وإدارة الآلات، وحكم الأموات”.

فلو أن ما عبر عنه مستشاروها كان صادرا عن خوف منهم وعجز وتملق، وعن استبداد وتجبر منها، لم تكن بحاجة إلى أن تقول لهم (ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون). فهذا يدل على أن المُتّبع المعمول به بينهم، هو أنها لا تقطع في أمر دونهم. ولو كانوا مجرد آلات ومجرد أموات، لم تكن بحاجة إلى التصريح بأنها لا تقطع أمرا دون موافقتهم، بل لم تكن بحاجة إلى استشارتهم أصلا.

الأمر الثاني: وهو أعلى درجة من سابقه، هو أن ملكة سبأ سيقت في القرآن مساق التنويه والرضى عن تدبيرها وتصرفها وعاقبة أمرها. أما شركها الأول، فلأنها كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ (43)[9] ولكنها ما إن سمعت دعوة الحق، حتى قالت: رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (44).

فهي من صنف الذين قالوا "رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا".

فكل ما حكاه القرآن من أقوالها وأفعالها ـ منذ تلقت كتاب سليمان ـ يدل على أنها سيقت مثلا للتعقل وحسن التدبير، على غرار ما حكى الله تعالى عن ذي القرنين. وقد فهم عدد من المفسرين هذا السياق، فاعتبروا به ونبهوا عليه.

قال القرطبي معلقا على مشاورتها ومحاورتها لملئها:

"فأخذت في حسن الأدب مع قومها، ومشاورتهم في أمرها، وأعلمتهم أن ذلك مُطَّرد عندها في كل أمر يعرض، بقولها: "مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ"، فكيف في هذه النازلة الكبرى. فراجعها الملأ بما يُقر عينها، من إعلامهم إياها بالقوة والبأس، ثم سلموا الأمر إلى نظرها". قال القرطبي: "وهي محاورة حسنة من الجميع". 

وقد كشفت أقوالها وتصرفاتها عن أنها كانت أهلا لذلك التفويض الذي منحها إياه مجلس شوراها، وأنها صدرت فيها عن خبرة ودراية وحكمة، ولهذا لما حكى الله تعالى قولها؛ "إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً"، عقب سبحانه مؤيدا كلامها بقوله: وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (34) قال ابن عباس: هو من قول الله عز وجل، معرفا لمحمد صلى الله عليه وسلم وأمته بذلك ومخبرا به. 

وقال العلامة محمد الأمين الشنقيطي: "ألا ترى أن ملكة سبأ، في حال كونها تسجد للشمس من دون الله، هي وقومها، لما قالت كلاما حقا، صدقها الله فيه، ولم يكن كفرها مانعا من تصديقها في الحق الذي قالته، وذلك قولها فيما ذكر الله عنها: إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً. فقد قال تعالى مصدقا لها في قولها: وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (34). 

فبناء على أن قولها: "ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون"، محكي في كتاب الله عز وجل، دون أي إبطال أو ذم... وبناء على سياق التأييد والرضى، الذي جاء فيه هذا القول، فإن قولها والتزامها بألا تقطع في أمر من أمور الدولة، إلا بعد أن يشهده ملؤها ويوافقوا عليه، يعدّ مثالا يحتذى. وذلك إنما يتمثل في إجماعهم، أو تراضيهم، أو أكثريتهم.


النقاش (0)