قضايا وآراء

منهج الرسول في غرس وبناء وتربية القيم

إبراهيم الديب
1300x600
1300x600

المنهج، رسول الله صلى الله عليه وسلم، رحلة القيمة، منظومة التربية القيمية، وواجبنا نحوه.. خمسة عناصر تشكل مجمل هذا المقال الخالد النفع.

أولا: المنهج

هو الطريقة الصحيحة المحددة الواضحة للوصول إلى الهدف بأقل تكلفة، في قوله تعالى: "لكل جعلنا منكم شِرعةً ومنهاجاً" (المائدة). والمعنى المراد هنا هو طريقة رسول الله صلى الله عليه وسلم كنموذج قيمي وأخلاقي أمثل من عدة جوانب.

ثانيا: رسول الله صلى الله عليه وسلم

الذي يجب أن ندرك النظر إليه من عدة وجوه:

1- أنه خاتم وسيد وإمام الأنبياء والمرسلين.

2- النموذج المعياري البشرى الأمثل للناس كافة، وأفضل إنسان على مدار الحياة كلها.

3- أفضل من التزم بالقيم الربانية الحضارية كمّا وكيفا، حيث بلغ في اكتساب وتطبيق القيم لأعلى الدرجات الممكنة للبشر، حتى بلغ الشروط المعيارية الخمسة لتحقيق القيم:

الشرط الأول: الفهم والممارسة الصحيحة للقيمة.

الشرط الثاني: الحرية والإرادة في اكتساب وممارسة القيمة دونما ضغط أو إكراه.

الشرط الثالث: طلاقة ممارسة القيمة زمانا ومكانا وظرفا.

الشرط الرابع: المحافظة على استمرارية ممارسة القيمة.

الشرط الخامس: فاعلية أثر القيمة على الفرد والمجتمع في نمو تفكيره وسلوكه وقدراته وأدائه وإنجازه وتأثيره البنائي الفردي والعام، لتختلق بعقله وروحه ونفسه ودمه ولحمه وعظمه بطلاقة مع كل الناس، بكامل حريته وإرادته صلى الله عليه وسلم، وفي كل الأوقات والظروف، وأصبحت سلوكا وسمتا مميزا له بين الناس، فمنحه الله تعالى شهادته له صلى الله عليه وسلم "وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍۢ" (القلم: 4)، وفي نفس الوقت هي شهادة الله تعالى على الناس إلى يوم القيامة؛ بواجب محاولة الالتزام بهذا النموذج من الرقي البشرى القيمي والأخلاقي والاقتراب منه قدر المستطاع.

4- كمعلم ومربٍ للقيم القرآنية السماوية وبنائها وتعزيزها في عالم البشر، وتحويلها إلى سلوك عملي وثقافة وهوية قرآنية حضارية بنائية للفرد والأسرة والمجتمع والأمة الإسلامية والبشرية.

5- كصاحب رسالة خاتمة للناس كافة عنوانها وشعارها وموجزها "إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ".

ثالثا: رحلة القيمة حتى تصبح خلقا ومبدأ


 

رحلة القيمة تبدأ من كونها فضيلة نظرية كمفهوم مذكور في شكل حبر على ورق، مجرد نظري، أي مجرد من الفعل العملي، والأثر النافع في واقع الحياة على صاحبه وفي المجتمع، ثم يترجمها المفكر التربوي إلى واجبات عملية قابلة للتطبيق والتعلم والقياس في واقع الحياة، وينظمها ما يعرف بدليل السلوك التربوي للقيمة، ليتم تعليمها للأفراد نظريا ثم تدريبهم على تطبقيها سلوكا عمليا، وتعزيزها في نفوسهم حتى يحافظوا على ممارستها بشكل صحيح ودائم وفي كل الظروف ومع كل الخلق، حتى تصبح خلقا مميزا لهم وثقافة حياة وهوية خاصة مميزة لهم يشهد به الناس من حولهم، لتنتشر وتتمكن في ثقافة الأسرة والمؤسسة والمجتمع وتتحول إلى مبدأ لازم يتم تدوينه داخل اللوائح والنظم والقوانين المؤسسية، وضمن التقاليد الأساسية للأسر التربوية المحافظة العريقة.

رابعا: منظومة التربية القيمية

أمرنا الله تعالى بطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم واتخاذه أسوة والاقتداء به وحسن اتباعه صلى الله عليه وسلم في كل كبيرة وصغيرة، فقال عز وجل:

- قُلْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ" (آل عمران).

- "لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْءَاخِرَ" (الممتحنة).

- "قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ".

ومن أول وأهم وأعظم السنن أثرا وفاعلية وثمرة وأجرا في الدنيا والآخرة، والتي يجب اتباعها، هي سنته ومنهاجه صلى الله عليه وسلم في رسالته الأساسية التي جاء من أجلها في إتمام مكارم أخلاق البشر وتعزيز قدراتهم البشرية؛ لأداء مهمتهم في عمارة الكون واستخلاف الله تعالى في الأرض بتنفيذ مهمة التربية القيمة وبناء القيم وتمكين أخلاق القرآن الكريم.

مثال توضيحي:

- عندما نقول طبيب فمهمته علاج المرضى، ولذلك عندما نقول اتباعه أي اتباعه في علاج المرضى.

- عندما نقول مزارع فمهمته زراعة المحاصيل، ولذلك عندما نقول اتباعه أي في طريقته في الزراعة.

- عندما نقول معلم فمهمته التربية والتعليم، واتباعه يكون في طريقته المهنية في التربية والتعليم، فعندما نذكر محمد صلى الله عليه وسلم فمهمته هداية البشر وتعليمهم القيم. لذلك عندما يأمر الله تعالى باتخاذه أسوة وقدوة، أي في منهاجه في مهمته الكبرى لهداية البشر وتعليمهم القيم حتى تصل لدرجة الأخلاق.



 

تتكون منظومة التربية القيمية من عناصر خمسة أساسية:

1- المربي: الأم والأب للأبناء، والمعلم للتلاميذ، والمشرف التربوي لأعضاء النادي والمركز، والمدير لموظفيه، ورئيس العمال لمرؤوسيه من العمال، ورئيس المدينة والمحافظة والدولة للمواطنين.

منهج الرسول صلى الله عليه وسلم كمربٍ:

ستة مبادئ توجز منهج الرسول كمرب للقيم تجعل منك مربيا محترفا للقيم

1- النموذج العملي المعياري من نفسه: "ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم وعلموهم ومروهم"، و"صلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلوا كذا في حين كذا"، "فإذا حضرتِ الصلاةُ فليؤذِّن لكم أحدُكم، وليؤمُّكم أكبركم"، و"صلوا كما رأيتموني أصلي"..

ويشير إلى النماذج والقدوات البارزة في تطبيق القيم، في قيمة سلامة الصدر وصفاء السريرة وحب الخير للناس "يدخل عليكم الآن رجل من أهل الجنة"، وفي التعريف بنموذج قيمة العلم "حبر هذه الأمة عبد الله بن عباس".

2- العملية والإجابة على سؤال الكيف، بتركيزه صلى الله عليه وسلم على بيان ماهية القيمة وكيفية ممارستها، كما في "اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالِقِ الناس بخُلُقٍ حسنٍ"، وحديث "أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟ قالوا: لا يبقى من درنه شيء، قال: فذلك مثل الصلوات الخمس؛ يمحو الله بهن الخطايا".

3- التبسيط والتدرج لمفاهيم القيمة وواجباتها العملية، كما قوله لابن عباس وهو غلام: "يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم: أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام وجفت الصحف"، وكما قال صلى الله عليه وسلم: "لا يكُنْ أحَدُكمْ إمَّعَة، يقول: أنا مع الناس، إن أحْسنَ الناسُ أحسنتُ، وإن أساؤوا أسأتُ، ولكن وَطِّنُوا أنفسكم إن أحسنَ الناسُ أن تُحْسِنُوا، وإن أساؤوا أن لا تَظلِمُوا".

4- استثمار الفرصة وتوظيف البيئة والحدث، كما في مشاهد "وقفّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَزْبَلَةٍ فَقَالَ: "هَلُمُّوا إلى الدُّنْيَا، وَأَخَذَ خِرَقاً قَدْ بَلِيَتْ عَلَى تِلْكَ الْمَزْبَلَةِ، وَعِظَاماً قَدْ نَخِرَتْ، فَقَالَ: هَذِهِ الدُّنْيَا".. ومشهد "إِنَّما مثَلُ الجلِيس الصَّالِحِ وَجَلِيسِ السُّوءِ: كَحَامِلِ المِسْكِ، وَنَافِخِ الْكِيرِ، فَحامِلُ المِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ ريحاً طيِّبةً، ونَافِخُ الكِيرِ إِمَّا أَن يَحْرِقَ ثِيابَكَ، وإمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحاً مُنْتِنَةً".

5- التكرار للبيان والتأكيد والتذكير، كما في أن "رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أوصني، قال: لا تغضب، فردد مرارا، قال: لا تغضب".

6- المتابعة والتقويم كما في سؤاله للصحابة بعد صلاة الفجر: "مَن أصبح منكم اليوم صائماً؟"، قال أبو بكر: أنا، قال: "فمَن تَبِعَ منكم اليوم جنازة؟"، قال أبو بكر: أنا، قال: "فمَن أطعم منكم اليوم مسكيناً؟"، قال أبو بكر: أنا، قال: "فمَن عاد منكم اليوم مريضاً؟"، قال أبو بكر: أنا، فقال صلى الله عليه وسلم: "ما اجتمعْنَ في امرئ إلا دخل الجنَّة".

2- منهج القيم والمحتوى القيمي المُستهدف تربية الأفراد عليه، والمُخرَج علميا من قبل مراكز إنتاج المعرفة المتخصصة في القيم والهوية باسم "دليل السلوك التربوي" (راجع أدلة السلوك التربوي لقيمي هويتي على شبكة الإنترنت).

فلا بد للمربي من دراسة واستيعاب البناء المفاهيمي للقيم التي سيُربي عليها، وماهية وعناصر القيمة، بامتلاك الدليل السلوكي لكل قيمة؛ الذي يبين عناصر القيمة الأربعة الأساسية وتطبيقاتها السلوكية الإثني عشر، ليتم تناولها واحدة تلو الأخرى مع المتربي بشكل تربوي علمي وعملي شامل ومتكامل وصحيح.

مثال 1: قيمة حب الله تعالى تتكون من أربعة مفاهيم كبرى هي: معرفة الله تعالى، وذكر الله تعالى، وحب الله تعالى، وطاعة الله تعالى، تتبعها اثنتا عشرة مهارة تفصيلية تجيب على سؤال كيفية ممارستها عمليا.

مثال 2: قيمة حب رسول الله ص تتكون من فهم طريقة تفكيره ص، ومعرفة سننه، وطاعته واتباعه والصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم.

مثال 3: قيمة الصدق تتكون من صدق النية وصدق العزم وصدق العمل وصدق اللسان.

مثال 4: قيمة الاحترام تتكون من احترام الذات واحترام الدين واحترام الافكار واحترام النظم والممتلكات العامة.

مثال 5: قيمة التسامح تتكون من استيعاب الآخرين والعفوة عند المقدرة والرحمة بالآخرين وقبول أعذار الناس.

3- طرق وأساليب التربية القيمة التفاعلية بين المربي والمتربين، من أنشطة وفاعلية فردية وجماعية وما تتطلبه من وسائل وأدوات ودعم فني، والتي يجب أن تتسم بالتنوع والمواءمة والعملية والتشويق والإثارة والفاعلية، حيث استخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم كافة الإمكانيات المتنوعة المتاحة له في بيئته في حينها، من النموذج القدوة بالتعايش مع الناس فكلما زادت المعايشة زاد التأثير، وباستخدام السؤال والحوار والنقاش والموقف العملي والفعاليات المعدة مسبقا، كما في حديث شرح الإسلام والإيمان والإحسان بمشاركة سيدنا جبريل عليه السلام، وكما في فاعليته بالسمر مع الصحابة وإطلاقه صلى الله عليه وسلم لفزورة النخلة، حينما "قالَ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ يَوْماً لأَصْحَابِهِ: أَخْبِرُونِي عن شَجَرَةٍ، مَثَلُهَا مَثَلُ المُؤْمِنِ فَجَعَلَ القَوْمُ يَذْكُرُونَ شَجَراً مِن شَجَرِ البَوَادِي. قالَ ابنُ عُمَرَ: وَأُلْقِيَ في نَفْسِي، أو رُوعِيَ، أنَّهَا النَّخْلَةُ، فَجَعَلْتُ أُرِيدُ أَنْ أَقُولَهَا، فَإِذَا أَسْنَانُ القَوْمِ، فأهَابُ أَنْ أَتَكَلَّمَ، فَلَمَّا سَكَتُوا، قالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: هي النَّخْلَةُ"، كما استخدم أيضا صلى الله عليه وسلم الرسم على الرمال للبيان والتوضيح.

4- البيئة التربوية النوعية، الأسرة والمدرسة والنادي والمؤسسة والمجتمع، والتي تمثل المحضن الأساس الذي يشكل ويصنع المتربي بشكل تلقائي، خاصة وأن علما التربية والاجتماع يقرران حقيقة أن الإنسان ابن بيئته. وعلى مستوى الأسرة تتكون من الأشخاص والمكان والنظم والمبادئ والقوانين والثقافة الخاصة بالأسرة والانشطة والفعاليات المتنوعة للأسرة.

 



5- المتربي، الذي يجب مراعاة الخصائص الفطرية العامة والفروق الفردية الخاصة لنوع المتربي، كذكر أم أنثى، وشريحته العمرية، ومواهبه وميوله الفطرية، وقدراته الذهنية، واحتياجاته ورغباته. وكل ذلك كمدخل أساسي لعملية التربية القيمية.

خامسا: واجبنا العملي نحو منهج الرسول صلى الله عليه وسلم في التربية القيمية

الواجبات العملية للفرد والأسرة والمدرسة والنادي والمؤسسة والوزارات العاملة في مجال بناء الإنسان؛ التربية والتعليم والبحث العلمي والتعليم الجامعي والثقافة والإعلام والشباب والرياضة والأوقاف والشؤون الاجتماعية، وجميع هؤلاء يتحملون مسؤوليتهم في التربية القيمية كفرض عين في حدود المسؤوليات والصلاحيات الخاصة بكل منهم.

1- معرفة وفهم منهاجه صلى الله عليه وسلم في التربية القيمية، وفهم فلسفته وأبعاده التربوية.

2- الاقتداء بمنهج الرسول ص في التربية القيمية والجمع بين أجرين؛ أجر التزام السنة، وأجر التربية القيمية.

3- امتلاك الدعم الفني اللازم للتربية القيمية، خاصة أدلة السلوك التربوي لكل قيمة.

4- مدارسة أدلة السلوك التربوي للقيم وممارستها عمليا، وتقديم النموذج الحقيقي للمتربين وتنفيذها تربويا معهم.

5- التعاون والتنسيق مع شركاء العملية التربوية، الأم مع الأب والأخ الكبير في المنزل، ومع المدرسة ومع وسائل الإعلام والثقافة والأندية والمراكز الشبابية.

النقاش (2)
محي حجازي
الإثنين، 10-10-2022 08:27 ص
مقال تربوي رائع اللهم انفعنا به واجعله في ميزان حسنات كاتبه
التصحيح الديني قبل التصحيح السياسي والاقتصادي
الأحد، 09-10-2022 06:35 م
التصحيح الديني قبل التصحيح السياسي والاقتصادي ان الحقيقة الكبرى التي غفل عنها فقهاء الاسلام قديما وحديثا هي ان الاسلام قد دشّن عصر ما بعد الرسالات، أي عصر صلاحية الانسانية للتشريع لنفسها، وبغير ذلك فان البشرية كانت ستبقى دائما بحاجة الى انبياء جدد. لقد انعزلت أمة العرب عن بقية امم الارض المتحضرة لمئات السنين. وكان من نتائج هذا الانعزال، عجزها شبه التام عن انتاج المعرفة. وكانت الثقافة الدينية الموروثة الخاطئة هي السبب الرئيسي في هذا الانعزال، بسبب التناقضات الكثيرة الموجودة كتب الموروث الديني مع ايات التنزيل الحكيم، مما اثر سلبا في تشكل العقل الجمعي العربي. وكان السبب الرئيسي لذلك التناقض هو قيام ائمة المسلمين الاوائل والمعاصرين)، بنقل اسلوب الحياة الدنيوية للنبي وصحابته، على انه جزء من الدين، واعطوا ذلك صفة القداسة والشموليه والعالميه والابديه. فكان من تنيجة ذلك ان اصبحت المحرمات بين ايدينا بالمئات بل بالالاف بدلا عن اقتصارها على الاربعة عشر محرما المذكورة في كتاب الله. فقول الله تعالى في الاية الكريمه (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ان لا تشركوا به شيئا .... 151/الانعام) يؤكد ان المحرمات محصورة في الايات المذكورة. وأن الله تعالى هو صاحب الحق الوحيد في التحريم. فكل اوامر النبي عليه الصلاة والسلام ونواهيه هي اوامر ونواهي تحمل الصفة المدنيه ضمن نطاق حكمه المدني من مقام النبوه، وهدفها تنظيم الحلال فيما يتعلق بمجتمعه المدني ودولته المدنيه في زمانه فقط، ولا تحمل صفة الشموليه ولا العالمية ولا الابدية، باستثناء ما كان منها يتعلق بشعائر الصلاة والزكاة، حيث امرنا الله تعالى بطاعة الرسول فيهما بشكل منفرد (واقيموا الصلاة واتوا الزكاة واطيعوا الرسول لعلكم ترحمون). فهل من المقبول بعد ذلك ان يقال ان كل ما قاله واجتهد به العلماء الاوائل والمعاصرون هو من ثوابت الدين؟ وهل كل تفاصيل حياة النبي الدنيوية اليوميه واجتهادات من أتى من بعده من الخلفاء والائمة هي من ثوابت الدين؟ لقد كاد فقهاء الاسلام الاوائل والمعاصرين ان يؤلّهوا رسول الله. وكان من نتائج ذلك أن طغت محورية الحديث النبوي المنقول، على محورية كلام الله تعالى. واصبح ينظر لاحاديث النبي وتشريعاته على انها وحي ثان مواز للتنزيل الحكيم ومطابق له في القدسية، وربما اعلى منه في بعض الاحيان. واستندوا في ذلك على تفسيرهم للاّية الكريمه "وما ينطق عن الهوى ان هو الا وحي يوحى". واعتبروا ان تفسيرهم ذلك لهذه الاية هو تفسير نهائي غير قابل للمراجعة ولا للتصحيح، رغم ان هذا التفسير للآّية الكريمة لم يصدر عن النبي، ولم يرد عنه انه قال ان كل ما يقوله هو وحي من الله. ان معظم كتب الموروث الديني ماهي الا صناعه انسانية بحته، بمعنى انها لاتعدو كونها اجتهادات بشرية في حدود ما سمح به السقف المعرفي في العصور الاولى. اما التشريع النبوي الانساني (الصادر من مقام النبوه)، فقد كان ينحصر في تقييد المطلق او اطلاق المقيد ضمن دائرة الحلال الواسعه. فالنبي معصوم عن الخطأ من مقام الرسالة فقط، وليس من مقام النبوة (يا ايها النبي لم تحرم ما احل الله لك تبتغي مرضاة ازواجك...) – (ما كان لنبي ان يكون له اسرى حتى يثخن في الارض، تريدون عرض الدنيا والله يريد الاخره...). ولقد أعطى الله سبحانه وتعالى للنبي عليه الصلاة والسلام (وللبشرية من بعده) حق الاجتهاد في التشريع الانساني الدنيوي، دون ان يعطي لذلك الاجتهاد صفة القداسة والشمولية والعالمية والابدية. وكانت تلك هي العلة الكبرى وراء كونه عليه الصلاة والسلام خاتم النبيين (أي لا نبي بعده). والا، فان البشرية كانت ستكون دائما بحاجة الى انبياء جدد. وباعطائه سبحانه وتعالى للبشرية ذلك الحق فقد قضى بان محمدا عليه الصلاة والسلام هو خاتم النبيين. لذلك كله، فأن امة العرب والاسلام في حاجة ماسة اليوم الى قراءة جديدة للتنزيل الحكيم كتلك التي قام بها المفكر الكبير د. محمد شحرور، والتي من شأنها احداث ثورة فكرية دينية شاملة، لتتصحيح القناعات المجتمعيه للعقل العربي. نقول ذلك، مع تسليمنا الكامل بأن كل فكر جديد هو خاضع للقبول او الرفض او التصحيح او التخطئة. ولنتذكر دائما بأنه ليس كل رأي او فكر جديد هو دائما قادم من عدو. وعليه، فاني انصح وبشدة، بالاستماع والاطلاع المتعمق على أفكار هذا العبقري الملهم، لأني أرى فيها حقا احياء للأمة من بعد سباتها الطويل.