قضايا وآراء

السيسي ونظرية التفويض الإلهي

قطب العربي
1300x600
1300x600
"أنا ظهري ربنا، واللي (من) يقدر على ربنا يتفضل".. لم تكن مجرد جملة عابرة قالها المشير السيسي في كلامه الارتجالي في ختام المؤتمر الاقتصادي قبل أيام، بل هي جملة معبرة عن قناعة الرجل التي كررها في سياقات عديدة وبصياغات متنوعة في لقاءات وأحاديث كثيرة من قبل.

في الدول الديمقراطية يستند الحكام إلى القبول الشعبي الذي تجسده نتائج الانتخابات النزيهة، ويعمل الحكام ألف حساب لشعوبهم لأنهم مدركون أنهم حتما سيعودون لطلب رضاها عندما تنتهي مدة حكمهم، ومن هنا تستهدف كل سياساتهم وقراراتهم رضا شعوبهم، ويكون من حق هذه الشعوب مساءلة هؤلاء الحكام خلال فترة حكمهم عبر كل وسائل المساءلة والمراقبة البرلمانية والقضائية والإعلامية.. الخ، وليس فقط عندما تنتهي دورات حكمهم.

في النظم الاستبدادية التي وصلت إلى الحكم عبر انقلاب عسكري على الإرادة الشعبية ذاتها لا يؤمن الحكام -ومن بينهم السيسي بطبيعة الحال- بقيمة الشعب، ولا يرون أنفسهم مسئولين أمامه، فهو لم ينتخبهم في انتخابات تنافسية حرة، وليس من حقه أن يعترض على أي قرار لهم.

لكن بعض النظم الاستبدادية تسعى لتعويض شرعيتها المفقودة عبر شرعية الإنجاز، فتقيم مشروعات كبرى يلمس نفعها عموم الناس، ومن ذلك قرارات حكام يوليو 1952 بفرض قانون الإصلاح الزراعي الذي استفاد منه ملايين الفلاحين المصريين، ومثل سياسة التأميم للمصانع والشركات، وتحسين أوضاع العمال ومنحهم حقوقا ظلوا محرومين منها لعقود طويلة، ومن ذلك أيضا بناء السد العالي لضبط تدفق المياه وانتظامها، ومنها إنشاء العديد من المصانع الكبرى والمساكن الشعبية في القاهرة والمحافظات، ومنها مجانية التعليم والصحة، وكلها سياسات حددت انحياز النظام الجديد للطبقات الفقيرة.. الخ، بغض النظر عن اتفاق أو اختلاف البعض مع تلك السياسات.
نفذ سياسات اقتصادية خطيرة منذ العام 2016، على رأسها بدء تعويم الجنيه المصري، مع تلبية مطالب صندوق النقد الدولي فيما يخص الرفع التدريجي للدعم عن السلع الرئيسية. وقد اعترف السيسي مؤخرا بأنه استخدم رصيده الشعبي لتمرير تلك السياسات، ما يعني اعترافه باستنفاد هذا الرصيد

بعد انقلابه على الرئيس المدني المنتخب حظي السيسي بدعم القوى العلمانية والمسيحية وبعض البسطاء، واعتبر ذلك دعما شعبيا جارفا له لم يتوفر لرئيس من قبله، بمن في ذلك جمال عبد الناصر. استند السيسي بشكل أساسي على تظاهرات جمعة التفويض التي دعا إليها في 26 تموز/ يوليو 2013، والتي شاركت فيها تلك القوى المذكورة، وحين ترشح للانتخابات الرئاسية مرتديا بزته العسكرية، ومتجاهلا وعودا سابقة بعدم الترشح، فإنه لم يكن مشغولا بصناديق انتخابات، فقد اعتبر أن ذلك التفويض كاف، وأن العملية الانتخابية هي استكمال للشكل فقط.

استند السيسي إلى تلك الشعبية (غير المؤكدة بأرقام انتخابية)، فشرع في إقامة مشروعات بدون دراسات جدوى، لتحقيق ما يسمى بشرعية الإنجاز، ثم نفذ سياسات اقتصادية خطيرة منذ العام 2016، على رأسها بدء تعويم الجنيه المصري، مع تلبية مطالب صندوق النقد الدولي فيما يخص الرفع التدريجي للدعم عن السلع الرئيسية. وقد اعترف السيسي مؤخرا بأنه استخدم رصيده الشعبي لتمرير تلك السياسات، ما يعني اعترافه باستنفاد هذا الرصيد، وهو لا يزال بعد في منتصف الطريق لاستكمال أوهامه.

لم تفلح المشاريع الكبرى التي ينفذها السيسي في جلب الرضا الشعبي، لسبب بسيط أنها لا تمثل أولويات حقيقية لا للشعب ولا للوطن، فلا تفريعة قناة السويس التي تكلفت ثمانية مليارات دولار حققت دخلا إضافيا كما بشروا من قبل، (الزيادة التي حدثت لعائدات القناة هي الزيادة الطبيعية لارتفاع تكلفة الشحن البحري عالميا)، ولا العاصمة الإدارية الجديدة تقدم منافع جديدة للناس، بالعكس فهي تمثل أعباء كبرى على الموظفين الحكوميين الذين سينقلون قسرا إليها، بعيدا عن مقار سكنهم (ناهيك عن تكلفتها الخيالية وتبلغ 60 مليار دولار)، ولا مدينة العلمين الجديدة ستقدم قيمة مضافة، ولا القصور أو الطائرات الرئاسية، ولا المونوريل، ولا الكثير من المشروعات ذات جدوى اقتصادية بالأساس، بل إن هذه المشاريع هي التي كبلت مصر والمصريين حتى الآن بأكثر من 120 مليار دولار من الديون الخارجية التي يتعثر النظام في سدادا اقساطها وفوائدها، ويلجأ إلى المزيد من القروض لعلاجها.
مع فشل السيسي في تحقيق الرضا الشعبي من خلال تلك المشروعات، ومع تزايد ضغوط السياسات الاقتصادية وغلاء الأسعار، وجد السيسي أن الطريق الأسهل وغير المكلف لشرعنة خطاياه هو إحياء نظرية التفويض الإلهي، فهو حاكم يستمد شرعيته من العناية الإلهية، وهو يتحدث مع الله

مع فشل السيسي في تحقيق الرضا الشعبي من خلال تلك المشروعات، ومع تزايد ضغوط السياسات الاقتصادية وغلاء الأسعار، وجد السيسي أن الطريق الأسهل وغير المكلف لشرعنة خطاياه هو إحياء نظرية التفويض الإلهي، فهو حاكم يستمد شرعيته من العناية الإلهية، وهو يتحدث مع الله، و"يقابل الله مرتين" (كما ذكرت إحدى الصحف)، ويعرف وحده ما هي مصلحة الشعب، ويطلب من الشعب سماع كلامه هو فقط ، ولسان حاله "ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد"، وهو مسنود بقوة الله (ربنا في ظهري)، ويهدد من يعترض عليه بأنه يعترض على الله ومن يقدر على ربنا يتفضل).

كانت إحدى الحجج الكبرى للانقلاب هي التخلص من جماعة الإخوان التي تريد الحكم باسم الله، وفرض قراراتها باسم الله، ووقفت القوى العلمانية داعمة للسيسي الحاكم العسكري فقط لأنه خلصها من الحكم الديني (الموهوم)، ثم ها هي اليوم تعيش الحكم وفقا لنظرية التفويض الإلهي تحت قائد عسكري، يدعي أنه بينه وبين الله علاقة خاصة توفر له إمكانيات غير منظورة، وتلهمه بقرارات مصيرية، حتى وإن بدت عديمة الجدوى!!

لم تفلح تبريرات النظام وأذرعه لموجة الغلاء والبلاء بأنها جزء من أزمة عالمية بعد وباء كورونا وحرب أوكرانيا، لأن المصريين يعرفون أن هذه الموجة سابقة على كلا الأمرين، وأنها بسبب المشاريع غير ذات الجدوى، وغير ذات الأولوية، والتي تكلفت مئات المليارات دون داع، فكان اللجوء إلى التبريرات الدينية للغلاء، ودعوة الناس للصبر عليه باعتبار ذلك من تمام الإيمان، وأصبح ذلك تعميما رسميا على خطب الجمعة في كل المساجد، والأحاديث الدينية في الإذاعة والتلفزة، والصحف.. وليكتشف الجميع أخيرا من الذي يستغل الدين لتبرير فساده واستبداده وفشله؟

twitter.com/kotbelaraby
النقاش (2)
الكاتب المقدام
الإثنين، 31-10-2022 04:40 ص
*** 1- قول الجنرال المنقلب "أنا ظهري ربنا، واللي يقدر على ربنا يتفضل"، يظهر حقيقة شخصيته المضطربة وعقله المريض وعقائده المنحرفة، وما يهرف به يدل دلالة واضحة على ذلك الخلل العقلي العميق، فخطبه تحفل بكلمات غير مترابطة، وجمل مفككة مبتسرة، مع فترات صمت وتوقف طويلة، وتعبيرات مكررة بلاضرورة، وتنضح بأفكار مضطربة تساق بلا مناسبة، وغير مفهومة للمستمعين إليه، فكأنه يتحدث إلى نفسه، وضعف قدرته على التواصل الطبيعي مع من حوله، يعكسه تفضيله للجلوس مع إعطاء ظهره وقفاه للمتحدث إليهم عند إلقاء خطبه، والاستمرار في التحدث الهستيري وحده لساعات طويلة دون شعور بالوقت، وتكرار ذات الموضوعات المعادة وغير المترابطة لأيام متتالية، وتوجيه خطابه لدائرة محدودة من اتباعه وخدامه، يعشق تجميعهم حوله، وكأنه يحتمي بهم ويتخفى بينهم، ويستمد الثقة في نفسه القلقة منهم، وكثيراُ ما ينادي عليهم بأسمائهم بصوت عال دون مبرر، ليطمئن نفسه على استمرار وجودهم حوله، وحديثه يتخلله ضحكات هستيرية مفتعلة، ونظراته الزائغة للا شئ، وتحديقه في الفراغ كأنه يرى كائنات خفية غير مرئية، يشوح لها أحياناُ بيديه، مع دوران مقلة العين واختلاج الجفون العصبي، وانقباض عضلات وقسمات الوجه، وتعرق جبهته التي يجففها بحركات عصبية، مع تصلب للقامة وتشنج في حركات الأطراف، ونوبات توتر وهياج وصياح عدائية غير مبررة، مع أنه يتحدث وحده دون مقاطعة ولا تعليق من أحد، وخطورة حالته لا تخفى، ولكنه كأمثاله لهم اتباع من الدهماء والسفهاء والفسدة والملاحدة والفسقة ينفخون فيهم، ممن يركبون الموجة فوق ظهره لتحقيق اهدافهم الدنيئة، كذلك القس الذي قال: "أموت عشقاُ فيه"، وذلك الشاعر العقيم الذي قال: "نسائنا حبلى بنجمك"، وذلك المغني المدمن الذي قال: "احنا شعب وانتم شعب"، وذلك المتعالم الكذوب الذي قال: "أن الله قد أرسل السيسي ووزير داخليته محمد ابراهيم، كما أرسل موسى وهارون"، ومصير السيسي وخدامه مصير محتوم، والله أعلم بعباده.
الكاتب المقدام
الإثنين، 31-10-2022 03:22 ص
*** 2- والجنرال المنقلب كما أقر هو بلسانه، قد نشأ وترعرع وتربى في حارة اليهود، وقد افتخر بأن شخصيته وتكوينه الفكري قد تأثر باكتسابه القيم السائدة في حارة اليهود، حيث تختلط بين سكانها، الأساطير والتنبؤات والأفكار المتناقضة لبقايا ديانات ومعتقدات مختلطة قديمة، وفي الحواري الضيقة المظلمة، تسود أوهام العظمة بين شخصيات عليلة تبرز منها وتعيش فيها، يطلق عليهم العامة اسم المجاذيب والبهاليل، ولهؤلاء المجاذيب رغم هذيانهم واضطرابهم، تأثير عميق فيمن يعيش حولهم من الشخصيات المهزوزة والمريضة، فتتنامى فيهم أحلام اليقظة، والجنرال المنقلب نموذج مثالي لهؤلاء المتأثرين، وهو رغم شعوره العميق بالنقص والضآلة التي يظهرها قوله عن نفسه أنه قد اعترف لرئيسه بلسانه: "أنا يا فندم الضابط النتن اللي حط الدبوس في الاستيكة"، ومن الشعور الدفين بالدونية يتحول إلى الشعور المرضي بالعظمة، فيصف نفسه علناُ بأنه "طبيب الفلاسفة"، وهو عميق الاعتقاد في أضغاث احلامه بأنه حامل السيف على أعناق أعدائه، ودعوته بأنه المبعوث والمنتظر والمنقذ لشعبه، والقادر وحده على تغيير سنن التاريخ والبشر والشعوب، الذي يعلم وحده ما لا يعلمون، وانفعالاته ونوباته وهذيانه وسلوكه المريض وفكره المضطرب وخوائه العقائدي، ورغبته الدفينة في إيذاء من حوله ممن يخاف من أن يكشفوا عن حقيقة اضطرابه، وأعراضه المرضية ظاهرة عليه، ودليل واضح لا تخطئه عين على أمراضه النفسية والعقلية والسلوكية، التي فاقمت منها إدمانه المتفاقم على مخدرات الترامادول، التي يزوده بها سكرتيره الشخصي ومدير مكتبه ورئيس مخابراته، ومثل تلك الشخصيات المضطربة كالسيسي، لا ترى إلا نفسها، وتؤله من ذاتها، ولذلك فقد سار وحده خلف موكب جثامين الفراعنة كأنه واحداُ منهم، وكوريث لدياناتهم، وسار في ممر كباش معابد الفراعنة، وهو يردد مع جوقته أهازيج عبادة الفرعون الإله الأوحد، والسيسي أمراضه الدفينة المتوطنة فيه خطيرة ومدمرة، فالسيسي شخصية تحتقر الناس وتعادي المجتمع، وله ميول تدميرية واضحة، وإن ترك أمثاله يكون خطراُ كارثياُ على المجتمع بكامله، واتباعه الذين اطاعوه، وسكتوا على هرطقاته وجنونه، ودعموه في إجرامه، سيدفعون قريباُ ثمناُ فادحاُ لأفعالهم، والله أعلم.