رياضة دولية

كأس العالم في قطر يفضح زيف "الاتفاقيات الإبراهيمية"

كأس العالم كشف أن الاتفاقيات الإبراهيمية لم تغير نظرة العالم العربي تجاه إسرائيل- TIMES / تويتر
كأس العالم كشف أن الاتفاقيات الإبراهيمية لم تغير نظرة العالم العربي تجاه إسرائيل- TIMES / تويتر

نشر موقع "موندويس" الأمريكي تقريرًا سلط من خلاله الضوء على زيف الاتفاقيات الإبراهيمية الذي فضحته فعاليات كأس العالم في قطر وفشل إسرائيل في التسويق لأوهام التطبيع.


وقال الموقع، في تقريره الذي ترجمته "عربي21"، إن وسائل الإعلام صوّرت حفل زواج حاخام يهودي على الأراضي الإماراتية على أنه قصة نجاح للاتفاقيات الإبراهيمية، التي نتج عنها تطبيع العلاقات بين إسرائيل والإمارات والبحرين والسودان. وتقوم هذه الاتفاقات على فكرة إمكانية إنشاء إسرائيل علاقات طبيعية مع العالم العربي وخاصة الأنظمة الاستبدادية الغنية في الخليج العربي بقيادة المملكة العربية السعودية دون تفكيك نظام الفصل العنصري أو الاعتراف بالحقوق الإنسانية والمدنية والوطنية للفلسطينيين.


بعد مرور ثلاث سنوات على إبرامها، تواجه الجهود المبذولة للحفاظ على وهم التطبيع الذي كرسته الاتفاقيات الإبراهيمية - التي هي عبارة عن اتفاقية عسكرية وتجارية بين دولة فصل عنصري وأنظمة ديكتاتورية في الخليج - تحديات خطيرة تجلت بشكل واضح في كأس العالم قطر 2022.


ذكر الموقع أن مشجعي كرة القدم والصحفيين الإسرائيليين أعربوا عن استيائهم عندما اكتشفوا أن المشجعين والعاملين العرب في قطر لا يرحبون بوجودهم. وكان رفع الأعلام الفلسطينية من المبادرات الأولى من نوعها خلال فعاليات كأس العالم. وأفاد الصحفيون الإسرائيليون الذين لم يتمكنوا من إخفاء جنسيتهم أو اختاروا عدم إخفائها بأنه طُلب منهم مغادرة سيارات الأجرة والمطاعم وواجهوا العداء وصعوبة في العثور على أشخاص يتحدثون معهم. لهذا السبب، غالبًا ما اضطر السياح والمشجعون الإسرائيليون للكذب بشأن حقيقة جنسيتهم. في المقابل، لم ترد أي تقارير عن جرائم قائمة على العنف ضدهم.


وأوضح الموقع أنه كانت هناك عروض منسقة للتضامن مع فلسطين، إذ رفع المشجعون التونسيون والمغاربة خلال مباريات منفصلة لافتات كُتب عليها "فلسطين حرة" في الدقيقة 48 من مبارياتهم إحياءً لذكرى نكبة سنة 1948. وطوال البطولة، لم يتوان المشجعون العرب عن حمل الأعلام الفلسطينية وارتداء قمصان داعمة لفلسطين أو الكوفية. تعليقًا على ذلك، كتب صحفي إسرائيلي يغطي كأس العالم: "لم نكن نريد كتابة هذه الكلمات، لكن بعد 10 أيام في الدوحة، لا يمكننا إخفاء ما نمر به. نشعر بالكراهية والعداء الموجه لنا ويبدو واضحا أنه غير مرحّب بنا".


من الواضح أن الاتفاقيات الإبراهيمية والرغبة الواضحة للأنظمة الديكتاتورية الخليجية في تطبيع العلاقات مع إسرائيل وطمس حقوق الفلسطينيين أعطت هؤلاء الإسرائيليين انطباعًا خاطئًا بأن شعوب العالم العربي لا تبالي بمحنة الفلسطينيين مثل قادتهم. لكن ما اكتشفوه على أرض الواقع كشف لهم الحقيقة الزائفة لتلك الاتفاقيات التطبيعية.


نقل الموقع ما كتبته المراسلة الإسرائيلية اليمينية لاهاف هاركوف توضيحًا للشعور السائد في العالم العربي بقولها "... أبرمت الاتفاقيات الإبراهيمية بين الحكومات وليست بين الشعوب"؛ موضحةً أن "مستوى الاستبداد لهذه الحكومات متفاوت... لذا فإن استعدادها لتحقيق السلام مع إسرائيل لا يعكس بالضرورة رغبة الناس الذين يعيشون تحت حكمهم".


وأضاف الموقع أن هذه الاتفاقيات، مثل اتفاقات السلام التي توسطت فيها الولايات المتحدة لإسرائيل مع مصر والأردن منذ عقود، تم إبرامها دون موافقة وضد رغبة الغالبية العظمى من مواطني تلك الدول. وفي الواقع، أظهر استطلاع للرأي أجراه معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى الصيف الماضي من قبل مركز الأبحاث الذي أسسته آيباك أن 25 بالمائة فقط من الناس في الإمارات العربية المتحدة، و20 بالمائة في البحرين، و19 بالمائة من الأشخاص في المملكة العربية السعودية ينظرون بإيجابية للاتفاقيات الإبراهيمية. ومن المحتمل أن هذا القبول الإيجابي لا تحرّكه سوى مصالح تجاريّة أو مشاعر معادية لإيران، ولا يعبر بأي طريقة عن قبول سياسات إسرائيل العنصرية أو لامبالاة تجاه محنة الفلسطينيين.


تحدث الموقع عن تقرير نشرته صحيفة  "تايمز أوف إسرائيل" أظهر عن غير قصد عمق التعتيم الإسرائيلي على هذا الموضوع، من خلال نقل تصريح مدون الفيديو الروسي فيتيا كرافشينكو الذي واجه عداءً كبيرًا من المشجعين البولنديين. قدم تقرير التايمز كرافشينكو على أنه خاض نفس التجربة الإسرائيلية في قطر، ولكن ما غفل عنه كتاب ومحررو الصحيفة هو شعور كرافشينكو بالخجل مما فعلته بلاده بأوكرانيا رغم مغادرته روسيا منذ أشهر بسبب الحرب لذلك لم يلم البولنديين على موقفهم.


في المقابل، يحمل الإسرائيليون عقلية مختلفة للغاية، وذلك ما اتضح من تصريح أحد المشجعين الإسرائيليين لصحيفة الغارديان بقوله إنه يأمل مقابلة أشخاص من جميع أنحاء العالم وخاصة من الدول العربية وتكوين الصداقات، وهو بيان يعكس نوعًا من الانفصال عن السياسة.


وهذه هي المشكلة بالضبط، بينما شعر كرافشينكو بثقل ما فعلته بلاده، كان المشجع الإسرائيلي يأمل تكوين صداقات مع "العرب"، كما لو أن ما يحدث من سلب الشعب الفلسطيني أراضيه وانتهاك حقوقه الإنسانية والمدنية لا وجود له. جاء الإسرائيليون إلى قطر معتقدين أن شعوب العالم العربي مستعدة لنسيان الفلسطينيين كما فعل قادتهم الفاسدون. وترى هاركوف أن هؤلاء الإسرائيليين الساذجين يعيشون صحوة صادمة وما فاجأها حقًا ليس المعاملة التي تلقوها في قطر وإنما إيمانهم بأن الأمور ستكون غير ذلك.


وأشار الموقع إلى أن إسرائيل تستمر في نشر أسطورتها القائلة إنها "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط" في حين أن هذا الادعاء لا أساس له دون الحاجة للتمحيص، مع ذلك لا يزال صحيحا بالنسبة للمواطنين الإسرائيليين وخاصة من اليهود الذين يملكون حقوق التصويت التي تمنحهم القدرة على التأثير في قرارات حكومتهم إلى حد ما، مما يختلف عن النظم الدكتاتورية في العالم العربي.


تضخم إسرائيل هذه النقطة عندما تصف حقائق الديمقراطية في دولة الفصل العنصري، ويغفل الإسرائيليون عن بعض الآثار المهمة لهذا الهيكل الديمقراطي. فبينما قادة الإمارات والبحرين وقطر غير منتخبين، كان الإسرائيليون أصحاب القرار في إعادة بنيامين نتنياهو وشركائه من أمثال بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، وهم من أوجدوا الأجواء السياسية المشحونة التي اتهمت حزبا فلسطينيا معتدلا مثل القائمة العربية الموحدة بالإرهاب. كما خلقوا واقعًا مكّن من صعود يمينيين شديدي العنصرية مثل أفيغدور ليبرمان وجدعون ساعر، وقادة عسكريين سابقين مثل بيني غانتس الذين يتفاخرون بحصيلة القتلى من العرب، ويائير لابيد الذي بدأ حملاته السياسية في مستوطنات الضفة الغربية غير المشروعة.


هذه هي السياسة التي خلقتها "الديمقراطية" الإسرائيلية. والإسرائيليون الذين يريدون فقط تكوين صداقات جديدة مع عرب قطر والإمارات هم من شاركوا في تشكيل الحكومة التي وقّعت على الاتفاقيات الإبراهيمية بينما كان المواطنون البحرينيون والإماراتيون مغلوبين على أمرهم.


أورد الموقع أن هناك حدودا لما يمكن أن يتقبله حتى المستبدون. قبل الانتخابات الإسرائيلية بوقت طويل، عندما أصبح من الواضح فوز نتنياهو والائتلاف الصهيوني الديني، حذر وزير الخارجية الإماراتي من أن حكومة تضم تلك الشخصيات اليمينية المتطرفة قد تعرض العلاقات التي أفرزتها الاتفاقيات الإبراهيمية للخطر. ومع الإعلان عن أن سموتريتش سيكون وزير المالية الجديد، وهو دور رئيسي في تسهيل التجارة الثنائية التي يعتبرها البعض "أبرز سمات الاتفاقيات الإبراهيمية"، من المؤكد أن الإمارات ستضطر للاختيار بين العمل علنًا مع وزير سيضع إجراءات قمعية ضد الفلسطينيين، أو قطع العلاقات التي عملوا لفترة طويلة لإقامتها. حتى الإماراتيون الاستبداديون لا يستطيعون تجاهل إرادة شعوبهم تمامًا ومواصلة التعامل مع كيان عنصري معاد للعرب لمجرد زيادة ثروتهم الهائلة بالفعل.


في الختام، أشار الموقع إلى أن كأس العالم كشف أن الاتفاقيات الإبراهيمية لم تغير نظرة العالم العربي تجاه إسرائيل، ولا يمكن أن يحدث ذلك سوى بالاعتراف الكامل بالحقوق الفلسطينية. ورغم الحملة الكاذبة التي رعتها إدارة ترامب وتدعمها إدارة بايدن، وحتى مع الوهم الذي يعيشه الكثير من الإسرائيليين، ينظر معظم العالم العربي إلى التحالف العسكري والتجاري الجديد مع إسرائيل على أنه مشين ومقيت، وهي حقيقة تجلت في كأس العالم قطر 2022.



النقاش (0)