قضايا وآراء

مَظْلَمةُ العملِ في أوروبا

عبد السلام فايز
أمستردام- جيتي
أمستردام- جيتي
لا يُخَيَّلُ لعاقل أنّ قانونا ما في هذه الجغرافية يمكن أنْ يُجحِف العُمّال؛ لأنّ المُتعارَف عليه والشائع هو أنّ قطاع العمل يُعتبَر العمود الفقري لاقتصاد البلد، ولهذا لا بد من التحفيز وامتلاك زمام المبادرة. ونحن اللاجئين في أوروبا وبعد أن مضت السنون علينا هنا، أصبحنا على دراية بقانون العمل إلى حَدّ بعيد، ومن ثم يمكن القول بأنّ قانون العمل وضوابطَهُ وتَبِعاتِه، لا تخدم العامل أبداً ولا تُشجّع أيضا على الدخول إلى سوق العمل، ولهذا عزفَ الكثيرون عن العمل وعادوا إلى بيوتهم، وتنَادوا إلى البطالة في معظم الأحيان، لدرجة أنّ الشركات والمعامل بدأت تغصّ بالوظائف الشاغرة.

فقد أفادت على سبيل المثال دراسةٌ حديثةٌ للمعهد الألماني لبحوث السوق والتوظيف، أنّ سوق العمل في ألمانيا سيفقد نحو سبعة ملايين عامل بحلول عام 2035، إذا لم تُتخذ تدابير مضادة ولم تتم مكافحة البطالة بالشكل الصحيح، وهذا ما وضعَ الحكومة أمام اقتراح يفيد بجلب المزيد من المهاجرين وإدخالهم إلى قطاع العمل.
لماذا يا تُرى يعزف الأشخاص عن العمل في أوروبا؟ وما هي المشاهد التي يتذمّر منها العمال والتي تدفعهم إلى الاعتكاف في منازلهم، في الوقت الذي تنادي فيه الشركات على العُمّال بالفم الملآن؟

أمّا في هولندا، فقد أفادت وكالة الإحصاء الوطنية الهولندية بوصول الوظائف الشاغرة إلى أرقام قياسية، حيث يتوفر ما يقارب 133 وظيفة لكل 100 عامل، وقد وصل عدد الوظائف الشاغرة إلى مليون وظيفة في سائر البلاد، وقِسْ على ذلك في جُلّ بلدان القارة الأوروبية.

لماذا يا تُرى يعزف الأشخاص عن العمل في أوروبا؟ وما هي المشاهد التي يتذمّر منها العمال والتي تدفعهم إلى الاعتكاف في منازلهم، في الوقت الذي تنادي فيه الشركات على العُمّال بالفم الملآن؟

ثلاثةُ مشاهد أضعها في تصوّرك أخي القارئ عن واقع العمل في أوروبا، وأنت الخصمُ والحكمُ في هذا المقال:

المشهد الأول: ما إنْ تُبرِم عقد العمل في هولندا على سبيل المثال، حتى تُشَنّ حربٌ ضدك من قبل السلطات المحليّة، التي سوف تحرمك من أيّة مساعدة مالية أو إغاثية يتم تقديمها إلى أصحاب الدخل المحدود. وبالمناسبة، إنّ أصحاب الدخل المحدود حسب تعريف القانون، هم فئتان من الأشخاص، فئةُ العاطلين عن العمل بشكلٍ تام، وفئةُ العاملين بدوام جزئي، فهؤلاء هم الذين ينالهم وافرُ الحظ والنصيب من عطايا الحكومات وهِبَاتها، في حين يُحرَم الآخرون من أيّةِ لفتة كريمة من قبل مجلس المدينة، ولا حتى بطاقة شكر تقديرا لجهودهم وكدّهم.

ونحن في هولندا لنا تجربة مع هذا اللغط الحاصل، فمع تفجّر أزمة الطاقة بسبب الحرب الروسية الأوكرانية، ارتفعت الأسعار بشكل ملحوظ للغاية، لا سيما تكاليف التدفئة، ممّا استدعى من الحكومة أن تتحرك لتقديم يد العون للمواطنين، ولكنها سرعان ما حرمت العاملين من أيّ مزايا أو منح، وقدّمت في الوقتِ نفسه مساعدات مالية عاجلة لأصحاب الدخل المحدود، وعندما زُفّ الخبر في موقع وكالة الأنباء الهولندية، انهالت التعليقات الغاضبة من العمّال الذين حُرِموا من هذه الهِبَة.

ولكَ أن تتخيل حجم السخط الواضح في التعليقات بسبب هذا التجاهل، وكأنّ العامل أصبحَ من أصحاب رؤوس الأموال باعتقادهم، رغم أنّ الفارق بين مدخول العامل ومدخول غير العامل لا يتعدّى مئتي يورو كأبعد تقدير. وقد استوقفني من جملة التعليقات الغاضبة آنذاك تعليقان اثنان، حيث يقول صاحب التعليق الأول: عظيمة جدا أيتها الحكومة الرشيدة!! أنتم تشجّعوننا على البطالة، وليس من حقكم بعد هذا اليوم أن تتذمروا من كثرة الوظائف الشاغرة؛ لأنني لن أعمل لاحقا. في حين قال صاحب التعليق الثاني: كان بإمكانكم أن تُجزّئوا المبلغ إلى ثلاثة أجزاء؛ جزءان للعاطلين عن العمل وجزء ثالث للعاملين كي يشعروا بالاهتمام؛ لأنّ الغلاءَ يطرقُ بابَ الجميع ولا يطرقُ أبوابا ويدعُ أبوابا أخرى.

هذا، وإنّ بعضا من مجالس المدن الهولندية فتحت ما يُعرف باسم بنوك الطعام التي تقدّم سلالا غذائية لأصحاب الدخل المحدود، في حين لا يجرؤ العامل ذو الجبين الملطّخ بِحُبيباتِ العَرق، أن يقدّم طلب الحصول على سلّة غذائية واحدة؛ لأنه على يقين تام بأنّ طلبه سوف يُرفَض عند أول نافذة.

المشهد الثاني: وفي هذا المشهد، تتطور عملية الصراع ضدك، من مرحلة الحرمان إلى مرحلة الملاحقة الضريبية المُضنية التي تجعلك تعافُ العملَ من أساسه، ففرع الضرائب هنا في هولندا يُطلق عليه بعض القادمين من سوريا اسم فرع فلسطين من باب التندر، في إشارة واضحة إلى حالة الرعب التي تنتابكَ عندما تفتح صندوقَ البريد الخاص بمنزلك، وتجد فيه ظرفَ رسائل ممهورا بخاتَمِ فرع الضرائب؛ لأنّ هذا الفرع يلاحق العاملين في كل شاردة وواردة متعلّقة بأجورهم، فهو يقتطع من ساعةِ عملك مبلغا محددا، ثم يقتطع من مدخولك الشهري مبلغا آخر، ثم يقتطع من مدخولك السنوي مبلغا ثالثا، لتجد نفسك في نهاية العام مُطالَبا بدفع مبالغ مالية غير عادلة، فتضطر إلى تقسيطها على مدار العام، وما إنْ تسدّد فاتورة العام المنصرم، حتى تتولّى تسديد فاتورة العام الجديد، وهكذا.. إضافة إلى أنّ قيمة الضريبة ترتفع مع الساعات الإضافية.

فعلى سبيل المثال إذا عملتَ في عطلة نهاية الأسبوع، فإنّ الأجر يزداد، وفي المقابل تزداد قيمة الضريبة المفروضة، لتكون المُحصّلة في نهاية المطاف: كأنك يا أبو زيد ما غزيت. أضف إلى ذلك أنك لو كنت عاملا في هذا البلد، فسوف تجد نفسك مُلزَما بدفع تكاليف الصرف الصحي والنفايات التي تتجاوز عتبة 500 يورو سنويا، لتصل إجمالي المدفوعات التي يترتب عليك دفعها، ما بين فواتير فرع الضرائب والالتزامات الأخرى إلى ما يقارب 2200 يورو سنويا، في حين لا يُطلب شيء على الإطلاق من العاطلين عن العمل، رغم أنّ مدخولَي الطرفين يكاد يكون متقاربا في معظم الأحيان، فأيُّ إنصافٍ هذا الإنصاف!!

المشهد الثالث: وذلك حين تمتد دائرة التضييق عليك كعامل، لتطال إجازتك السنوية أيضا، تلك التي تعتبر بالنسبة لك المتنفَّس الوحيد الذي تلجأ إليه للتخلّص من ضغط العمل، ومع ذلك تجد نفسك فيها مظلوما، حيث يتم اجتزاء 50 في المئة من المبلغ المخصص لإجازتك السنوية لمصلحة الضرائب.

ففي هولندا حيث أقيم، يتم اقتطاع 80 يورو شهريا من المدخول، ثم تُجمّع هذه المبالغ ليتم إرسالها إلى حسابك البنكي في طليعة الصيف، كي يتسنّى لك الذهاب إلى إجازة، ولكنّ المفاجأة تكمن في دخول فرع الضرائب على الخط، حيث يتم سلخ 50 في المئة من هذا المبلغ لمصلحته دون أي مبرر، فإذا كان المبلغ المخصوم من مقدّراتك الشهرية على مدار العام ألف يورو على سبيل المثال، فإنك تتفاجأ بأنّ ما أُرسِلَ إلى حسابك البنكي هو 500 يورو، أما الباقي فقد ذهب إلى "أياد أمينة"، في حين أنّ العاطلين عن العمل يستيقظون صباحا، ليجدوا المبلغ كاملا في حساباتهم البنكية، دون أنْ يمسّه "فرع فلسطين" بأي سوء.

وبعد كل هذه المشاهد التي نُعاينُها بشكل واقعيّ في أوروبا، لا بد من الاعتراف أنّ العزوف عن العمل هو تصرّفٌ مُحِقّ للغاية إذا لم يتم تعديل ضوابط العمل، أو النظر بعناية إلى طبقةِ العُمال الذين لم ينصفهم القانون بعد.
النقاش (0)