أفكار

قياديون سابقون في "القومي الإسلامي" يتبرؤون من تبرير الاستبداد

لماذا انحاز عدد من قادة التيار القومي إلى الانقلابات والحكم العسكري في العالم العربي؟
لماذا انحاز عدد من قادة التيار القومي إلى الانقلابات والحكم العسكري في العالم العربي؟
رغم التحاق قيادات نقابية وسياسية قومية وأخرى شيوعية تونسية بصف معارضي "خارطة الطريق" السياسية والانتخابية للرئيس قيس سعيد ولمسار ما بعد 25 تموز (يوليو) 2021، تعاقبت في المدة الأخيرة الاتهامات التي وجهها إعلاميون مستقلون وزعماء "جبهة الخلاص الوطني" و"حراك مواطنون ضد الانقلاب" لرموز التيار القومي بـ"الانقلابية".

 ووجهت الاتهامات خاصة للقيادات القومية في حزب الشعب الذي يتزعمه زهير المغزاوي، وحزب التيار الشعبي الذي يتزعمه زهير حمدي ومباركة عواينية أرملة الشهيد محمد الإبراهيمي .

وينتمي إلى هذين الحزبين اللذين دعما انقلاب 25 تموز (يوليو) 2021 بقوة قياديون بارزون في الاتحاد العام التونسي للشغل، وفي منظمات مؤثرة في المشهدين السياسي والإعلامي وفي المجتمع المدني، بينها نقابات المحامين والصحفيين .

فهل  القوميون العرب في تونس ديمقراطيون أم انقلابيون؟ وهل سيكون نقد مزيد من القيادات القومية لمسار ما بعد 25 تموز (يوليو) "عودة للوعي"، ومؤشرا عن مراجعات فكرية سياسية عميقة وتطورا في اتجاه "التبرؤ" من المواقف الانقلابية السابقة، أم مجرد "تعديل" تحسبا لتغير موازين القوى وطنيا وفي المنطقة؟

تشهد الساحة الفكرية السياسية في تونس تغييرات سريعة، فقد اتهم نشطاء في "جبهة الخلاص الوطني" المعارضة للانقلاب، بينهم المحامي والحقوقي أحمد نجيب الشابي قيادات نقابية "قومية ناصرية وبعثية" وأخرى من أقصى اليسار، بارتهان الاتحاد العام التونسي للشغل، ووضعه "تحت قبة الانقلاب بهدف التخلص من خصم أيديولوجي وسياسي".

واتهم قياديون في حراك "مواطنون ضد الانقلاب"، بينهم الزعيم اليساري عز الدين الحزقي والحقوقي الحبيب بوعجيلة، بعض القيادات القومية واليسارية المتشددة بدعم الانقلاب في تونس، مثلما دعم رفاقهم انقلابات عديدة عرفتها الدول العربية في المشرق العربي .

مراجعات

وفي الوقت الذي صعد فيه نور الدين الطبوبي أمين عام نقابات العمال ومقربون منه من بين "النقابيين المعتدلين والعاشوريين، "خطابهم ضد السلطات وأدائها منذ انقلاب 25 تموز (يوليو)، فإن تصريحات معارضيهم، وبينهم محسوبون على "القوميين واليسار الراديكالي"، مازالت تتراوح بين "الدفاع عن الديمقراطية" وتبرير "حركة التصحيح"، التي قادها الرئيس قيس سعيد قبل عام ونصف.


                                                         نورالدين الطبوبي

بل إن الانتقادات التي يوجهها نقابيون وسياسيون محسوبون على اليسار الراديكالي القومي والماركسي لأداء الرئيس التونسي منذ عام ونصف، تصنف ضمن "التناقضات الثانوية بين أنصار الانقلاب"، حسب الأكاديمي زهير إسماعيل والحقوقي الأمين البوعزيزي .

ويستدلون بكون بعض الملاحظات النقدية التي يوجهونها له "لا تشمل الأصل"، أي رفض استخدام القوة لغلق البرلمان والحكومة ثم حل المجلس الأعلى المنتخب للقضاء، بل هي بمنزلة "العتاب"، بسبب تجاهل الرئيس لمسانديه، وعدم موافقته على أي دور "للوسطاء والقوى الوسيطة، بما في ذلك النقابات والأحزاب".

فهل يتحرر القوميون العرب في تونس من "إرث سياسي ثقيل" يطارد البعثيين والناصريين و"القذافيين" في المشرق العربي منذ سبعين عاما، بسبب دعمهم لسلسلة الانقلابات العسكرية التي عرفتها مصر وسوريا والعراق ولبنان واليمن وليبيا؟

وكيف سيتحررون من ثنائية المصالحة مع التعددية الفكرية السياسية والحزبية والانخراط في مسار دعم الانقلابات على البرلمانات والمؤسسات المنتخبة وعلى الدساتير الشرعية، على غرار ما فعل محسوبون على "التيار القومي" بعد انقلاب 2013 في مصر وسلسلة الانقلابات والمحاولات الانقلابية، التي عرفتها تونس والدول المغاربية خلال العقود الماضية، وبعد ثورات 2011 ثم بعد انتخابات 2019 والمنعرج الأمني العسكري السياسي لحراك 25 تموز (يوليو) 2021؟

 معتدلون وانقلابيون

لعل أهم ما يجب تسجيله في هذا السياق أن القوميين العرب في تونس وشمال أفريقيا لم يشكلوا أبدا تيارا واحدا، بل كانوا دوما مشرذمين من حيث مواقفهم من الحريات والديمقراطية والتعددية من جهة، ومن حيث تحالفاتهم أو تباينهم مع الأنظمة والأحزاب البعثية والناصرية و"القذافية".

انحاز بعضهم منذ إعلان استقلال تونس عن فرنسا عام 1956 إلى قيم الاعتدال والحداثة وتصالح مع الليبيرالية السياسية والتعددية. في هذا السياق يمكن الاستدلال بعروبيين بارزين أثروا في الحكم والمعارضة خلال العقود الماضية، بينهم الوزراء محمد مزالي والبشير بن سلامة وعبد السلام المسدي ومحمد المصمودي وسياسيون وكتاب قوميون عرب، كانوا في المعارضة ومنظمات المجتمع المدني، مثل محمد مواعدة والمنصف المرزوقي والميداني بن صالح وأبو القاسم كرو.

 كل العرب مسلمون في الدول المغاربية

ويتميز القوميون العرب في الدول المغاربية، مثلما أورد زهير المغزاوي في أول حوار صحفي أدلى به بعد انتخابه على رأس حزب الشعب في 2011 لصحيفة "الصباح" اليومية، بكونهم أدركوا مبكرا بكونهم يتحركون "في بيئة ينتمي كل مواطنيها في نفس الوقت إلى العروبة والإسلام، إذ لا يوجد في شمال أفريقيا مسيحيون عرب".


                                                                زهير المغزاوي

كما لم تعرف المنطقة "التناقضات التي عرفها المشرق العربي بين الطوائف وأنصار الأديان المختلفة. بل عرفت تونس والدول المغاربية مفكرين قوميين عربا انفتحوا في نفس الوقت على "التيار التحديثي الغربي"، وعلى رموز "التيار الوطني الإسلامي"، مثل الشيخ عبد العزيز الثعالبي وقادة الحركات الوطنية الجزائرية والمغربية والليبية .

بل تعتبر أدبيات وشهادات كثير من قادة التيار القومي التونسي، بينهم القيادي في حزب الشعب الحبيب رابح، أن الزعيم الوطني والمصلح الكبير الشيخ الثعالبي وتلامذته، كانوا "من أبرز مؤسسي التيار القومي العربي في تونس" .

المؤتمر القومي الإسلامي

ويعتبر القيادي القومي المعتدل فتحي بالحاج، الذي مثل حركة الشعب القومية في حكومة إلياس الفخفاخ في 2020،  أن رموز التيار العروبي الإسلامي في الحركة الوطنية وفي مرحلة بناء الدولة الحديثة يختلفون عن "مشايخ الإسلام السياسي الذين أدووا دورا وظيفيا ضد القيادات القومية التقدمية منذ عقود، ثم ساندوا مؤامرات الحلف الأطلسي ضد ليبيا والعراق وسوريا وفي كامل المنطقة، تحت عنوان "الربيع العربي "..


                                                                فتحي بالحاج

لكن فتحي بالحاج يرفض الانقلابات ويسجل أنه كان عضوا في آليات "المؤتمر القومي العربي الإسلامي" و"المؤتمر القومي العربي"، والحوارات الفكرية والسياسية المطولة بين مفكرين وسياسيين من القوميين العرب وشخصيات قيادية إسلامية .

وقد شارك في تلك الحوارات ما بين 1990 و2011 بالخصوص المفكران العراقي خير الدين حسيب واللبناني معن بشور .


                                                 خير الدين حسيب ومعن بشور

وشارك في تلك الآلية من تونس الزعيم القومي العربي البعثي عضو القيادة القومية لحزب البعث العراق سابقا مسعود الشابي والوزير الأسبق مصطفى الفيلالي وزعيم حزب النهضة راشد الغنوشي، بينما شارك من الجزائر الزعيم الوطني الجزائري عبد الحميد المهري. وشاركت من مصر شخصيات قومية معتدلة، بينها حمدين صباحي والقياديان الاسلاميان المصريان عبد المنعم أبو الفتوح وعصام العريان، اللذان اعتقلا بعد انقلاب 2013 في مصر..


                                              راشد الغنوشي وخير الدين حسيب

بل إن صباحي نفسه اتهم وبعض رفاقه "الناصريين المصريين" بكونهم ساهموا في صنع الانقلاب في مصر على رئيس الجمهورية محمد مرسي وعلى البرلمان المصري، المنتخبين من قبل ملايين المواطنين في انتخابات شفافة شهد الجميع بنزاهتها ومصداقيتها.

وكانت النتيجة أن سال الدم مجددا بسبب صراعات تورط فيها محسوبون على التيارين القومي والإسلامي، داخل المؤسسات العسكرية والمدنية.

وقد اعترف وزير الاعلام في عهد الرئيس جمال عبد الناصر الكاتب القومي الكبير حسنين هيكل، أنه والأمين العام السابق لجامعة الدول العربية عمرو موسى وشخصيات قومية مصرية، ساهمت في صباغة "البلاغ رقم 1" لانقلاب 3 يوليو 2013  في مصر.. وفي تنظيم "المسيرات المليونية" التي كانت تطالب الجنرال عبد الفتاح السيسي بـ "الانقلاب على الشرعية؛ بحجة الدفاع عن الأمن القومي ومحاربة الإرهاب، وعدم توريط الجيش المصري في حرب سوريا".

ويتبرأ كثير من هؤلاء "القوميين المعتدلين"، بينهم عالم الاجتماع والوزير الأسبق للتربية سالم الأبيض، من غلطات القيادات القومية في المشرق العربي، بما في ذلك ما يتعلق بالحربات والديمقراطية .


                                                                    سالم الأبيض

ويتصدر سالم الأبيض تيار معارضي قرارات الرئيس قيس سعيد منذ 25 تموز (يوليو) 2021، لكن خصومه يتهمونه بدوره بـ "المشاركة في دفع تونس نحو الانقلاب مباشرة بعد انتخابات 2019 عندما تصدر الداعين إلى" تشكيل حكومة الرئيس"، عوض احترام الدستور الذي ينص على أن الحزب الفائز بالمرتبة الأولى في الانتخابات البرلمانية، هو الذي يشكل الحكومة بالتشاور مع بقية الفائزين .

"التيار الثالث"؟

ويرفض قادة التيارات القومية الناصرية والبعثية في تونس الاتهامات التي يوجهها إليهم خصومهم الليبيراليون واليساريون والإسلاميون حول تورطهم في دعم الانقلابات.. وحول دور النقابات والمؤسسات التي يسيطرون عليها في "دفع البلاد نحو الانهيار والفشل الاقتصادي والاجتماعي والسياسي منذ انتخابات 2011، بسبب آلاف الإضرابات والاعتصامات التي نظموها لإسقاط كل الحكومات المنتخبة، ثم التمهيد لانقلاب 25 يوليو".

لكن "المعتدلين" داخل التيار القومي مثل الوزير والبرلماني السابق سالم الأبيض، يعتبر أن  القوميين "تيار ثالث" كان نشطاؤه دوما "ضد الاستبداد ".

يقول سالم الأبيض متحدثا عن مرجعيات القوميين التونسيين الفكرية والسياسية: "ولد التيار القومي حاملا ذكرى التنظيمات القومية التي سبقته ومستبطنا نضالها ضد البورقيبية وخياراتها الفرنكو ـ  تغريبية.. ولد مناضلا ضد "الدولة الإقليمية" لأن مشروعه الوحدوي كان نقيضا لها ولوجودها. ولد باحثا عن ضالة سياسية فوجدها في إرث جمال عبد الناصر وفي الناصرية، وأخرى فكرية فوجدها في أعمال عصمت سيف الدولة وفي نظريته للثورة العربية."

ثم يستطرد قائلا: "ولد التيار القومي وخاض معارك فكرية شرسة مع اليساريين الماركسيين وطلبة الاتجاه الإسلامي، واستطاع أن يكسر ثنائية اليسار واليمين، فأرسى خطا سياسيا وسطيا بين الطرفين سرعان ما تنامى حجمه وتوسع أنصاره، حتى شدّ إليه أنظار المهتمين كافة بالشأن الطلابي والسياسي عموما، قبل أن تضرب حكومة ابن علي الحركة الطلابية بيد من حديد سنة 1992 في إطار صراعها مع حركة النهضة، وتقضي على أي وجود سياسي طلابي ولو إلى حين.". ثم يوضح أن " التيار القومي تطور بعد ذلك إلى طرف فاعل ومؤثر داخل النقابات ومنظمات المجتمع المدني، ثم داخل البرلمان بعد انتخابات 2014.

 من انقلابات سوريا والعراق ومصر إلى 25 يوليو

وتوشك الأوضاع أن تنفجر اجتماعيا وسياسيا في تونس لأسباب عديدة، من بينها استفحال الأزمة الاقتصادية بدرجة غير مسبوقة، في وقت تضاعفت فيه الضغوطات الداخلية والدولية على السلطات، من أجل أن تعود إلى المسارين الديمقراطي والبرلماني وإلى شرعية صناديق الاقتراع.

في هذا السياق العام، صدرت عن قيادات التيار القومي، وخاصة المشرفين على حزبي الشعب والتيار الشعبي، تصريحات تؤكد حرصها على التبرؤ من تهمة "الانقلابية".

وبعد أن فشل مرشحو القوميين في الانتخابات البرلمانية، التي قاطعها حوالي 90 بالمائة من الناخبين، تعددت مؤشرات ابتعاد قيادات حزبي الشعب والتيار الشعبي عن السلطات واقترابها من القوى "المعارضة للانقلاب".

هذا السيناريو قد تحسمه عناصر عديدة، من بينها تطور حدة الأزمة الاقتصادية والاجتماعية داخليا وإقليميا، ومتغيرات الموقف الدولي من السلطات التونسية ومن معارضيها، خاصة "جبهة الخلاص" وحراك "مواطنون ضد الانقلاب".
النقاش (2)
سالم الأحمد
السبت، 21-01-2023 11:17 ص
يوجد مشكلة حقيقية في العلاقة بين التيارات الإسلامية والقومية مع موضوعة الإنقلاب والاستبداد، وهي لا تتوقف عند مراجعات جزئية هنا وهناك. عندما نشر ميشيل عفلق مقالة: منهج البعث الإنقلابي، لم يتحدث عن ثورة شعبية أو تغيير عبر صناديق الاقتراع، وعندما رتيب البشير-الترابي انقلابا عسكريا كان ذلك على حكومة منتخبة ولو شكليا. إذا أردنا الحديث عن مراجعات وبراءات، فنحن بحاجة إلى مراجعة حقيقية، أي شاملة، وليس انتقائية. عندها توضع على المشرحة جملة الانقلابات العسكرية التي جرى تعميدها ثورات ، قومية كانت أو إسلامية. لكن هذا يعني ضرورة الانتقال إلى جيل جديد آخر، لأن الجيل القديم استنفذ ما عنده بشكل كامل، وبقي له أن يكتب مذكرات يتعظ منها ويستفيد جيل جديد
العصبة
الجمعة، 20-01-2023 12:01 م
لا أعتقد أن أحد فحص (DNA) لهذه الأمة مثل ما فعل إبن خلدون بدون مجهر، العصبية عند هؤلاء أقوى من الفولاذ لا يجمعهم شيء مثل الديمقراطية، القومية... أو حتى زلامية) غير الإسلام ( لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم)