مقالات مختارة

صناعة المتغلب

علي الظفيري
1300x600
1300x600
شكلت ولاية حكم المتغلب في التاريخ الإسلامي عقبة كبرى أمام تنظيم مسألة الحكم، وبالطريقة المثلى التي نص عليها هذا الدين العظيم، والمتمثلة بالشورى الملزمة في هذا الخصوص، وليست الشورى الشكلية التي تكون أشبه بمساحيق تجميلية للنظام الحاكم، دون أن يترتب عليها ما يقيد أداء هذا الحاكم أو ذاك، أو يقنن كيفية توليه هذا الحكم من أساسه.

 وفي حكم المتغلب تجد من النصوص في تراثنا الإسلامي ما يدعم وجهة النظر التي تميل إلى القبول بهذا الحكم، والتعايش معه، لعدة أسباب يوردها أصحاب هذا الرأي، أهمها الخشية من الفتنة والاقتتال وحدوث الضرر نتيجة الموقف الرافض للمتغلب، يقول الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: من خرج على إمام من أئمة المسلمين، وقد كانوا اجتمعوا عليه وأقروا له بالخلافة بأي وجه كان بالرضا أو بالغلبة، فقد شق هذا الخارج عصا المسلمين، وخالف الآثار عن رسول الله، فإن مات الخارج عليه مات ميتة جاهلية.

والشيخ محمد بن عبدالوهاب يوافق موقف ابن حنبل إذ يقول في عبارة له: الأئمة مجمعون من كل مذهب على أن من تغلب على بلد أو بلدان، له حكم الإمام في جميع الأشياء، ولولا هذا ما استقامت الدنيا، لأن الناس من زمن طويل قبل الإمام أحمد إلى يومنا هذا ما اجتمعوا على إمام واحد.

من هو المتغلب؟ إنه كما يورد محمد بن شاكر الشريف في مقال له حول الموضوع في مجلة البيان، المستولي على السلطة في وقت شغور المنصب وخلوه بموت من سبقه أو نحو ذلك، أو الخارج على السلطان القائم. ويمكن أن نضيف لما أورده الشريف أنه المستبد الذي يستولي على الحكم بالقوة، وهذه عملية بدأت مع حكم معاوية بن أبي سفيان واستمرت في الدولة الأموية وما تلاها من دول، وفي هذا المقال لا أخوض نقاشا شرعيا في سلامة هذا الموقف من عدمه، لعدم تخصصي في ذلك، إنما أراجع مسألة تحول هذا الموقف الطارئ والمبرر في بعض الحالات، إلى قاعدة في السياسة الشرعية.

 وفي بعض الحالات، يجد المرء دعما لهذه الفكرة في بعض السياقات التي ولدت فيها، إن الخشية من الاقتتال والفتنة ووقوع الضحايا دفع ببعض الفقهاء الأوائل لاتخاذ هذا الموقف، ويمكن أن نحسب لبعضهم الشجاعة وتحمل المسؤولية في مخالفة الثابت الديني القائم على الشورى، وتشريع ما هو مناقض صراحة له، حقناً للدم وحماية للبشر، لكن هذا الوضع لا يكون في كل الحالات، قد يكون مبررا في ظرف تاريخي ما، أو مرحلة بعينها، ولا يمكن تسويقه على مدى القرون والاعتداد به كموقف شرعي ثابت، أفهم أن يضطر المرء لذلك مرة واحدة، وأن يفعل ذلك من باب الاستثناء، لكن أن يتحول هذا الموقف إلى قاعدة ثابتة ومرجعية مطلقة، فهو ما لا يقبله العقل.

إننا بهذا الموقف، المُشرِّع لحكم المتغلب المستبد، نصنع المتغلب ونوجده من العدم، إننا نجعل من الاستثناء أصلا وقاعدة، ونحفز كل من تسول له نفسه الانقضاض على الحكم أن يفعل ذلك دون تردد، وسننتظره عند الباب لنمنحه التفويض الشرعي اللازم بينما يمسح الدماء عن سيفه، ومن غير المعقول أن نتجاوز -بكل وقاحة- النص القرآني الملزم والمنظم لعملية الحكم، وأن نتجاهل أهم حقبة في تاريخنا الإسلامي، المتمثلة بعهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وما انتهى إليه، والعهد الذي نفخر بعدله وحكمته ومثاليته، أعني دولة الخلافة الراشدة، ونجعل من الاستثناء الذي قام على اغتصاب الحكم وتوريثه، قاعدة لنا ومنهاج.

 ولا يعقل أن نقبل من الذين نظروا لهذا الأمر، على أنه استثناء واضطرار، عدم تسجيلهم لموقف -ولو نظريا- يعود إلى الأصل والقاعدة في مسألة الحكم، ويقول، من باب الأمانة والمسؤولية أيضا، إن هذا الأمر الشاذ، المتمثل بحكم وولاية المتغلب، لهو أمر لا يستقيم وتعاليم ديننا الإسلامي، وإن كنا تجاهلناه خوفا أو تقديرا لضرر، فإن عليكم ألا تفعلوا ذلك مرة أخرى!.

(العرب)
النقاش (0)