قضايا وآراء

مكارثيون قبل مكارثي

محمد جعفر
1300x600
1300x600
لم تكن المكارثية فكرة جديدة علي الطغاة و المستبدين فبنك أفكارهم مليء بالأساليب الخطيرة ولديهم منتسبين من الشياطين الذين يوحون إليهم بالجديد الذي يقف مكارثي نفسه عاجز أمامه ذلك أن كل مستبد يحصل علي ذكاء شيطاني جمعي من نادي المنتفعين يقدمونه كلما لاحت من بعيد هواجس الخطر أو أرادوا تعظيم ما تحت أيديهم من سلطان ومال ونفوذ أو رصد ادوار جديدة من الحماية والتحصين يخرج في النهاية في صورة موجات من التعسف والظلم والاستبداد والاستعباد موجه بالطبع إلى الشعب الذي هو مكمن الخطر وبيت القصيد في هذه السردية القاتمة التي تبدوا وكأنها متمكنة من خط التاريخ فيما عدا ما يبثه المؤرخون من ومضات مثالية هنا أو هناك ما تلبث قوي الشر أن تحاكم صانعيها وتحيلهم أعداء مارقين تتأرجح في الغالب جثثهم علي قافية التاريخ في انتظار الإنصاف من محقق مغمور بعد مئات السنين أما"مزابل التاريخ" فقد استحالت مرفأ معمورا للطغاة يتنعمون فيه بالغبطة والحبور مع كهنة المعبد ونخبته المصنوعة ومؤرخيه المأجورين ينظرون من نوافذه الذهبية إلي الشعوب المقهورة بكل صلف وغرور.. 

لم يكن  جوزيف مكارثي محامي وقاضي في محكمة الاستئناف فقط بل كان شيطانا أيضا..

تمكن من الفوز في العام 1948 في الانتخابات عن ولاية وِسْكونْسِن الامريكية فكان اصغر أعضاء مجلس الشيوخ سنا وفي يوم 9 فبراير من العام1950، خطب مكارثي في ولاية ويلينغز (ويست فرجينيا) في ذكرى ميلاد الرئيس أبراهام لنكون. وأعلن أن : وزارة الخارجية أصبحت مليئة بأعضاء الحزب الشيوعي وجواسيس روسيا. ورفع ورقة، وقال :هذه قائمة فيها 205 شيوعيين وجواسيس.

 هكذا القي مكارثي قنبلته ومضي في بلد يعاني من وضع حرج جراء الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي لتتوالي العديد من الإجراءات القمعية في حق المعارضة تحت غطاء حماية الأمن القومي الأمريكي بعدما  ضخم مكارثي أخبارا عن نشاطات شيوعية داخل وزارة الخارجية.

وشاركه بعض قادة الحزب الجمهوري في الكونغرس. كما حقق مكتب التحقيق الفدرالي (اف بي آي) مع أكثر من ثلاثة آلاف دبلوماسي. وفصل جيمس بيرنز وزير الخارجية في ذلك الوقت مائة شخص تقريبا «بسبب عدم كفاءتهم»، كان بعضهم شيوعيا، لكن أغلبيتهم كانوا أعضاء يساريون أو ليبراليون أو نقابيون.

انتشرت تلك الإجراءات بشكل مخيف وكان لها في أول الأمر شعبية كبيرة الأمر الذي دفع العشرات من المثقفين والفنانين والكتاب وبعض الشخصيات العامة إلي الهجرة من أمريكا أو الانزواء بعيدا عن قبضة الأجهزة الأمنية خوفا من خطر الاعتقال أو التشويه وأصبحت أي دعوه للتظاهر لتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية أو حتى المطالب النقابية لتحسين ظروف العمل دعوة مشبوهة تعمل علي تقويض السلم والأمن وهي في حقيقتها عمالة للاتحاد السوفييتي والشيوعية العالمية والمتعاطي معها خائن للتراب الأمريكي يجب محاسبته.. 

لم تقف حملة الخوف تلك عند السياسيين فقط بل تجاوزت إلي رموز معروفة في الفنون والآداب والعلوم لمجرد أنهم يتمتعون برؤية واستقلال عن القرار الحكومي وكان مارتن لوثر كينج وألبرت أينشتاين وتشارلى تشابلن وآرثر ميللر ودين اكسون وجورج مارشال من أهم هؤلاء. 

راح ضحية تلك الحملة التي استمرت خمس سنوات الكثير ممن فقدوا وظائفهم أو غيبتهم السجون أو ظلوا مطاردين أو من تركوا وطنهم قسرا تحت سيف البطش والتنكيل وقد وصف الكونغرس فيما بعد حملات التشهير التي اعتمدها مكارثي بالكارثية لأنها دمرت الحياة الوظيفية لكثير من المواطنين حتى تردت الأوضاع في أجهزة الدولة التي تدهور أداؤها وانحدرت معنويات العاملين فيها.

لعل المثقف الأمريكي اليوم يتواري خجلا عندما يأتي ذكر هذه الحقبة الأشد حساسية في التاريخ الأمريكي.

الحديث - وكل تاريخ أمريكا حديث – لا سيما فيما يتصل بالظلم الاجتماعي والتعسف ضد المعارضين السياسيين علي اختلاف انتماءاتهم علي يد أجهزة الدولة التي كانت تدعم جوزيف مكارثي في جهوده لإخراس أي صوت معارض لسياسات الدولة عن طريق الاتهام بالتعاطف مع الشيوعيين فكل معارض من وجهة نظر مكارثي وأجهزة الدولة عميل وطابور خامس للاتحاد السوفيتي ومشترك في المؤامرة الخارجية التي تحاك ضد الوطن..

 مات منبوذا مريضا مدمنا بمستشفي بيثيدا البحرية في 2 مايو 1957 عن عمر يناهز 48 سنة ولم يكن ليخطر على باله أن يلجأ آخرون إلى أساليبه بل وتكتب عشرات الدراسات عن مذهبه الاستبدادي الذي تلقفته بيئات حاضنة للفساد وأنتجت منه وحشا ضاريا يلجأ إليه لتمرير سياسات وإسكات خصوم وتصفية حسابات.

أصبحت  المكارثية مذهبا له آليات معروفة لدي الأنظمة الاستبدادية منها :  تضخيم الخطر وصناعة الخوف عن طريق صناعة عقيدة الشك ونشر الشائعات وتشويه الآخر وتلفيق التهم وإشاعة جو المؤامرة والتوتر واللهث وراء اصطناع الأزمات لا تفاديها.

ويمكن القول بان  الاستبداد العسكريتاري كان مكارثيا قبل مكارثي عندما أسس لنظام الولاءات المطلقة لشخص القائد علي حساب أي شيء آخر بل جر ذلك النظام الصارم إلي الحياة المدنية التي تعرف الأخذ والرد والحوار والتفاهم في إطار تعدد الخبرات والثقافات والعلوم والمعارف الأمر الذي لا يتوفر في البيئات العسكرية الخشنة مما اثر سلبا علي الحقوق والحريات وخنق الحركة المدنية بل خنق الحياة بشكل عام. 

إن النفسية المتردية التي تؤثر السلامة بالعيش بعيدا داخل الحائط وتفضيل العزلة بلا حقوق أو حرية علي الدخول في الدوامة المصنوعة علي أعين المكارثية المتجددة هي الهدف الأساسي للحاكم المستبد والتجارة الرابحة الذي يستحيل إلي منافع تتدفق علي أعطافه وتمكنه وأعوانه من نهب الثروات فضلا عن نهب الوعي والتاريخ.    
النقاش (0)