قضايا وآراء

حرب داعش.. وتهويد القدس

أحمد ذيبان
1300x600
1300x600
لا أحد عاقل يقبل  ممارسات "داعش" المدانة، التي تريد أن تعيدنا إلى عصور التخلف، لكن لا نقبل أن تستخدم "داعش" ذريعة لإخضاعنا لإرهاب فكري، لا أحد يعرف إلى أين ينتهي.

"داعش" ليس مسؤولا عن الفساد في الأردن، ولا عن المديونية الهائلة وعجز الموازنة المتفاقم، وليس  السبب في مشكلتي الفقر والبطالة، وتحويل البلد إلى "كيان مريض" اقتصاديا يعيش على المساعدات والمنح والقروض الخارجية. 

و"داعش" لم يعطل  عملية الإصلاح السياسي، ويزيد معدلات الجريمة، وليس مسؤولا عن غرق العاصمة عمان في "شتوة 3 نوفمبر" التي استمرت ساعة ونيف، وتسببت في أزمة مرورية خانقة نادرة، جراء إغلاق مياه الأمطار للأنفاق ومناهل تصريف المياه! كل ذلك تتحمل مسؤوليته السياسات العامة، وسوء إدارة الحكومات المتعابقة للبلد منذ أكثر من عقدين.

إن هذه الأزمات، هي العدو الأخطر مرحليا، الذي يتطلب تكريس كل الجهود لمحاربته، دون أن ننسى أن العدو الأول للعرب جميعا هو إسرائيل. 

وعليه يتساءل عامة الناس وغالبية النخب، لماذا أصبحت الحرب على داعش تحت عنوان "مكافحة الإرهاب" أولوية السياسة الرسمية للأردن، ضمن التحالف الذي شكلته وتقوده أميركا، وهو أمر لا يتعلق بالأردن وحده، بل أصبح أولوية إستراتيجية بالنسبة للدول العربية الأخرى المشاركة في التحالف، وفقا لـ "خارطة الطريق" التي قررتها واشنطن.

وهذه الحرب طويلة الأمد، وقبل نحو أسبوعين قال الملك عبد الله الثاني، إن هذه الحرب ستطول وربما تستمر بين عشرة إلى خمسة عشر عاما، على الأصعدة العسكرية والأمنية والاستخبارية والفكرية، وهو كلام كرره الرئيس الأميركي باراك أوباما والمسؤولين الأميركيين كثيرا، واللافت أن أوباما الذي تقود بلاده التحالف، وهي أقوى دولة في عالم اليوم، قال قبل أيام إنه غير متأكد من إمكانية النصر على "داعش".

ثمة لغز غامض في هذه الحرب، ربما تمر سنوات عديدة قبل أن يتم تفكيكه، وأحد مؤشرات رموز هذا اللغز، معركة مدينة كوباني "عين العرب" الكردية في سوريا، التي تحولت فيما يبدو إلى اختبار رمزي لقدرة التحالف على هزيمة داعش، وقد مضى نحو شهرين على هذه المعركة، حيث أصبحت الهدف الأول لغارات طائرات التحالف، التي أسقطت آلاف الأطنان من القنابل والصواريخ على المدينة، دعما للمقاتلين الأكراد على الأرض، لكن هذه القوة الهائلة لم تغير الواقع، حيث يسيطر مقاتلو داعش على غالبية أنحاء المدينة، رغم الفرق الهائل في القوة العسكرية بين "التحالف "و"داعش".

وفي معركة كوباني، تتداخل خيوط اللعبة الإقليمية بشكل معقد، فتركيا التي تقع المدينة قرب حدودها، تتبنى موقفا خاصا يتوافق مع مصالحها الإستراتيجية، فهي لا تريد أن ينتصر الأكراد في كوباني، لكي لا يكون ذلك حافزا لأكراد تركيا، لاستئناف العمل المسلح بهدف الانفصال في إطار السعي لإقامة دولة تضم الأمة الكردية في تركيا والعراق وسوريا وإيران، لكن تركيا في مواجهة الضغوط الأمريكية والاتهامات بالتواطؤ مع "داعش"، سمحت بدخول قوة محدودة من البشمركة العراقية، إلى كوباني لمساعدة أكراد المدينة في مواجهة داعش.

 والغريب أن إرسال رئيس إقليم كردستان العراق مسعود البرزاني لتلك القوة، حظي بتغطية إعلامية هائلة، حيث كانت الأخبار والصور والتقارير الصحفية والتلفزيونية، تتابعها خطوة خطوة منذ تحركها حتى وصولها!، أما المفارقة فهي أن الدول التي تجرم مشاركة انضمام مقاتلين أجانب إلى داعش، وتعزز ذلك بصدور قرار من مجلس الأمن الدولي، تعتبر مشاركة أكراد العراق في القتال داخل سوريا أمرا مشروعا.

 مثل هذا التساؤل يبدو ترفيا، في ضوء ما يحدث في سوريا، حيث يشارك أعداد كبيرة من الأجانب في القتال، ضمن صفوف داعش وغيرها، بما في ذلك النظام السوري الذي يستعين بحزب الله وميليشيات عراقية وخبراء ومقاتلين إيرانيين.   

حرب داعش إذن ستشغل المنطقة لمدة طويلة من الزمن، وفي أي حرب وخاصة ما يوصف بأنه "حرب على الإرهاب"، تكون الحريات العامة هي أكبر الضحايا، ويتم مطالبة الناس بتقديم تضحيات.  

بالنسبة للأردن مثلا، ليس هناك جيوش لداعش تحتشد على الحدود وتستعد لغزو البلد، ولو حصل ذلك فإن الدفاع عن الوطن واجب وطني، لكن الحديث يتم عن "عدو افتراضي" لا يتطلب التورط في أعمال عسكرية وأمنية خارجية، قد تكون نتائجها السلبية كبيرة، لا يفيد معها الالتحاق بالإستراتيجية الأميركية، وهذا في الواقع  هو موقف النسبة الكبيرة من الرأي العام الأردني.

ما يجري في القدس أهم من حرب داعش، ألا تشعر بالحرج الأنظمة العربية التي تشارك بحماس في التحالف الأميركي ضد داعش، في الوقت الذي تصعد إسرائيل عمليات التهويد في القدس المحتلة، من خلال الانتهاكات والاقتحامات والاستفزازات، التي يقوم بها المستوطنون بحماية الشرطة في المسجد الأقصى المبارك، بالإضافة إلى الإمعان في التوسع الاستيطاني في القدس وبقية أنحاء الضفة الغربية، ولا يواجه ذلك إلا بالتصريحات وبيانات التنديد ومناشدة مجلس الأمن التدخل.

والجميع يدرك أن الجهة الوحيدة القادرة على التدخل هي واشنطن، التي توفر الغطاء والدعم  لإسرائيل، فلماذا لا يتم على الأقل "مقايضة " التحالف مع أميركا ضد "داعش"، بمطالبتها التدخل الجدي لوقف الغطرسة الإسرائيلية.

 
"صحفي وكاتب أردني"
رئيس تحرير موقع "اغوار نيوز"
النقاش (0)