ملفات وتقارير

مقص الرقيب العسكري أحدّ من لسان الصحافة الإسرائيلية

الرقابة العسكرية الإسرائيلية حظرت النشر في قضية الأسرى لدى القسام بغزة ـ أرشيفية
الرقابة العسكرية الإسرائيلية حظرت النشر في قضية الأسرى لدى القسام بغزة ـ أرشيفية
طالما تردد في أوساط الصحافة الإسرائيلية مصطلح "الرقابة العسكرية تحظر النشر"، بالإشارة إلى وحدة عسكرية تابعة لشعبة الاستخبارات العسكرية "أمان" في الجيش الإسرائيلي، ويقف على رأسها ضابط يعرف باسم "الرقيب العسكري".

والرقابة ليست محصورة على الصحف اليومية، إنما تشمل جميع وسائل الإعلام في إسرائيل، وتسري أيضا على مراسلي وسائل الإعلام الأجانب العاملين في إسرائيل، بحسب مركز مدار للدراسات الإسرائيلية.

ما يطرح سؤالا عن مدى الحرية التي يتمتع بها الإعلام الإسرائيلي، أجاب عنه الخبير في الشؤون الإسرائيلية، محمد أبو علان، بالقول: "إنه لا يمكن الحديث عن الحرية في الإعلام الإسرائيلي بصورة عامة، بل لا بد من تحليلها في اتجاهين، الاتجاه الأول الداخلي، والاتجاه الثاني الأمني".

ففي الشأن الداخلي الإسرائيلي هناك حرية شبه كاملة، باستثناء القضايا التي يفرض عليها قرار منع النشر خوفا من تأثير النشر على مجريات التحقيق.

ودليل الحرية الإعلامية شبه المطلقة للإعلام داخل المجتمع الإسرائيلي برأي أبو علان، أن رؤساء ووزراء وكبار مسؤولين في دولة الاحتلال الإسرائيلي فقدوا مناصبهم العليا وحوكموا ودخلوا السجن نتيجة قضايا فساد مالي وإداري وأخلاقي كشف عنها عبر الإعلام الإسرائيلي في المرة الأولى.

أما في الجانب الأمني فحرية الصحافة الإسرائيلية تقارب الصفر، فهي ممنوع عليها نشر أي أخبار ذات بعد أمني أو عسكري، إلا بعد موافقة الرقيب العسكري أو صدور المعلومات عن الناطق باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي.

والأدلة الساطعة في هذا الموضوع "حرب لبنان الثانية في العام 2006 والحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة في العام 2014، وفي السياق نفسه حتى في قضايا أمنية صغيرة قد تكون على مستوى عملية صغيرة للمقاومة لا تنشر تفاصليها إلا بعد موافقة الناطق العسكري الإسرائيلي"، كما قال أبو علان لـ "عربي21".

بدوره قال المحاضر في الإعلام بالجامعة العربية الأمريكية سعيد أبو معلا، إن الإعلام الإسرائيلي مجند بشكل كامل لخدمة الأهداف العسكرية، والأمن القومي ووجهة النظر الأمنية، وبالتالي فإن ما تقرره الرقابة العسكرية تنصاع له كل وسائل الإعلام.

وأضاف: "كل المواجهات المسلحة مع إسرائيل تثبت ذلك، فالإعلام الإسرائيلي لا يمكن أن يوصف بالمهني، إنه إعلام أمني، إعلام خنادق وعسكر، إعلام ينصاع بدون أن يهتز له جفن للرؤية الرسمية والأمنية وتحديدا بالموضوع العسكري".

وهو ما ينتج عنه أمران مهمان برأي أبو معلا: الأول حجب معلومات مهمة وخطيرة تكون لدى وسائل الإعلام لكنها لا تنشر؛ والثاني نشر تسريبات أمنية من جهات مخابراتية ولا يشترط أن تكون صحيحة، ما يعني فقدان شرط الدقة وصحة المعلومات.

وأضاف أن الإعلام الإسرائيلي في الصراع مع الفلسطينيين لا يقر بالمهنية الصحفية أو السبق الصحفي، ويعمل على أنه خلف القوات المشتبكة على الحدود أو داخل المدن الفلسطينية؛ "هذا أمر محسوم داخل العقل الصحفي الإسرائيلي، ربما يدعمه أن خلفيات بعض الصحفيين الإسرائيليين أمنية، جنود أو ضباط في وحدات عسكرية، وهو أمر يرتبط بأن المجتمع كله مجند لخدمة غرض استمرار الاحتلال وحماية الدولة المحتلة".

وكانت الرقابة العسكرية رفعت حظرا استمر 10 أشهر عن نشر خبر اختفاء إسرائيليين في قطاع غزة.
ويأتي تبرير موضوع منع النشر بتحليل أبو علان، بالحفاظ على أمن الدولة وأمن الجمهور، وأحيانا لعدم التأثير على مجريات التحقيق في قضية ما، فحتى القضايا الجنائية داخل المجتمع الإسرائيلي يكون عليها منع نشر في الكثير من الأحيان خاصة تلك المتعلقة بجرائم العالم السفلي، ووسائل الإعلام الإسرائيلية مجبرة على التعاطي مع قرار المنع؛ ولكن من حقها التوجه للقضاء لإلغاء قرار منع النشر، وهناك حالات وافقت المحاكم فيها على رفع قرار منع النشر.

و"الرقيب العسكري" وظيفة دائمة في دولة الاحتلال الإسرائيلي، وكانت عضو الكنيست ميري ريجف عن حزب الليكود من أواخر من شغلوا هذا المنصب.

من الذي يسيطر على الإعلام الإسرائيلي؟

ويسيطر على جزء كبير من الإعلام الإسرائيلي عائلات ثرية وأصحاب أموال، فالملياردير اليهودي شلدون أدلسون هو صاحب صحيفة "إسرائيل هيوم"، وهي صحيفة مقربة من حزب الليكود بشكل عام ومن نتنياهو بشكل خاص.

أما صحيفة "يديعوت أحرنوت" فهي مملوكة من عائلة موزس، وهي على النقيض من صحيفة "إسرائيل هيوم"، وصحيفة "معاريف" مملوكة لشركة دانكنر الاستثمارية التي اشترتها من عائلة نمرودي المعروفة كعائلة اشتهرت بتجارة السلاح. أما القنوات العاشرة والثانية على سبيل المثال، فهي محطات فضائية تجارية.

ويزداد في العامين الأخيرين الاستثمار الأجنبي في وسائل الإعلام والاتصال الإسرائيلية، في إطار عملية وصفت بأنها "تضاعف مقدرة عناصر ليست مواطنة في إسرائيل على التأثير على الرأي العام الإسرائيلي"، و"مرحلة دراماتيكية أخرى في ابتعاد الصحافة عن اعتبارات خدمة الجمهور المدني في إسرائيل"، بحسب تقرير لمركز مدار.

دور الإعلام الجديد في المجتمع الإسرائيلي

في ظل هذه المعطيات، برز دور الإعلام الحديث عبر شبكات التواصل الاجتماعي، والتي كان لها آثار متباينة، لدرجة إقدام مسؤوليْن إسرائيلييْن منذ بداية العام على الانتحار بسبب انتقادات وجهت إليهما عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وفق ما ذكرت وسائل إعلام إسرائيلية حينها.

وأكد أبو علان أن للإعلام الحديث تأثيرا كبيرا على المجتمع الإسرائيلي كما هو حال كل المجتمعات في العصر الحديث، وهذا الدور يمكن استشفافه من نقطتين أساسيتين، هما: أن كل وسائل الإعلام الإسرائيلي دون استثناء لها صفحات خاصة بها على شبكات التواصل الاجتماعي، وتنشر معظم روابط أخبارها عبرها.

وأضاف أن شبكات التواصل الاجتماعي باتت مرجعية لوسائل الإعلام الإسرائيلية في تسجيل مواقف للسياسيين الإسرائيليين التي باتت وسائل التواصل الاجتماعي وسيلتهم في نشر مواقفهم.. إضافة إلى تأسيس مكتب رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي لأكثر من صفحة على شبكات التواصل الاجتماعي ومنها صفحة باللغة العربية، ناهيك عن أن كبار الصحفيين في المجتمع الإسرائيلي لهم صفحاتهم الإعلامية أيضا.

الإعلام الفلسطيني معتمدا على الإسرائيلي

وتزخر وسائل الإعلام الفلسطينية بأخبار وتقارير مصدرها وسائل إعلام عبرية، ويخصص للترجمات الإسرائيلية زوايا مخصصة لذلك، ما تسبب بانتقادات للإعلام الفلسطيني.

ويقر أبو معلا بأن الإعلام الإسرائيلي أقوى من نظيره الفلسطيني، الذي يعاني من ضعف في الحصول على السبق الصحفي والتعمق في تشخيص الأحداث، ويعمل في حدود الوضع السياسي الفلسطيني، كما أن هناك طواقم تنشط في موضوع الترجمات من العبرية إلى العربية ما يسهل النشر في الإعلام الفلسطيني والعربي؛ مطالبا بدراسة مضمون هذه الترجمات ومعرفة أهدافها.

وأضاف، أن بعض ما ينشر في الإعلام الإسرائيلي تسريبات أمنية تستخدم في الصراع مع الفلسطينيين، والتي كان آخرها التسريب الأخير بخصوص سفر المسؤولين الفلسطينيين.

وكانت دراسة للصحفي عدنان أبو عامر أكدت أنه على الرغم "من الإمكانات الهائلة المتاحة لوسائل الإعلام الإسرائيلية، ومساحات المناورة الشاسعة الممنوحة لها، نظريا على الأقل، إلا أنها تراجعت في أدائها المهني لمهامها لتصل إلى درجة الصحافة المجندة أحادية الجانب. فضلا عن عدم اكتفائها بتزويد متلقي هذه الوسائل بمستجدات الأمور والأحداث المتلاحقة".

"بل لجأت للتهويل تارة، والتستر تارة أخرى، فبدلا من محاولة بناء وتكوين رأي عام واع لحقيقة ما يجري على الأرض من خلال عرض تعددي لوجهات النظر، فإنها أخذت على عاتقها تعبئة الرأي العام الإسرائيلي بحقائق مكذوبة عبر حفنة ضئيلة من رجال الإعلام الصهاينة ممن يدعون المعرفة الواسعة بالشؤون العربية والفلسطينية"، بحسب الدراسة. 
النقاش (0)