مقالات مختارة

إيران بين التي تريد والتي نريد

التهامي مجوري
1300x600
1300x600
في الوقفة التضامنية مع المعتصمين في المسجد الأقصى، الذي نظمته جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، يوم الخميس 24 ديسمبر الموافق لـ12 ربيع الأول، ذكرى المولد النبوي الشريف، في دار الشعب التابعة لاتحاد العمال الجزائريين، قال منشط المهرجان، والآن نقف لقراءة سورة الفاتحة على روح الزعيم التاريخي حسين آيت احمد، رحمه الله، الذي توفي هذه الأيام خارج الوطن، فانبثق صوت غائر من وسط الحضور بالقاعة، "وعلى سمير القنطار"، فعقب المنشط على هذا الصوت، بقوله اللهم ارحم جميع المسلمين.

 وهذا الصوت الغائر هو للشاعر والكاتب حسين آكيلال. وسمير القنطار هو إطار من إطارات حزب الله الشيعي اللبناني، قتل في سوريا قبل أيام، في إطار الصراع الدائر والدامي بين النظام السوري ومعارضيه.

هذا المشهد ذكرني بموقف آخر في مسجد السنة في بداية الثمانينيات، عندما خطب الشيخ علي بلحاج، خطبة تناول فيها الشيعة بالنقد والتحذير من معتقداتهم ومواقفهم الشرعية والسياسية والمذهبية الطائفية في قضايا الدين عموما، ومواقفهم من اهل السنة خصوصا، واسترسل الشيخ بلحاج في الكلام إلى أن وصل إلى الكلام في الخميني، فقام أحد المصلين محتجا وقال بصوت عال "إن الخميني يجري في دمي"، فقال له الشيخ بلحاج من على المنبر "بدل دمك"، وهذا الذي وقف في أثناء الخطبة ليرد على الإمام وهو يخطب، هو في الواقع يعبر عن الرأي العام الجزائري في موقفه من الثورة الإيرانية يومها، التي أسقطت "دركي المنطقة" الشاه رضا بهلوي، سنة 1978/1979، فخرج هاربا من بلاده التي كان يعز فيها من يشاء ويذل من يشاء، مثلما وقع للرئيس التونسي بن علي تماما.

لقد كان للشعب الجزائري موقف من الثورة الإيرانية، ربما تفرد به دون سائر العالم الإسلامي، بحيث عادى صدام حسين رأس النظام العراقي القومي عداء بسبب حربه مع إيران. واستمر الدعم الشعبي للجمهورية الإسلامية الإيرانية، على أنها دولة إسلامية ونموذجا منافسا للغرب ومستقلا عنه، وكذلك ولنفس الأسباب كان دعم الجزائريين لحزب الله اللبناني في حربه مع اليهود، بوصفه حركة مقاومة إسلامية مستقلة عن قوى الاستكبار الدولي، وكل ذلك كان على حساب كل المخالفين لإيران ولحزب الله وللشيعة عموما من الخليجيين، وسنة العراق وباكستان وأفغانستان وبعض الشيعة العرب من لبنان وسوريا والعراق...

وكان من نتائج ذلك التعاطف الكبير والزيارات المكثفة لإيران، أن تشيع كثير من الجزائريين، ولكن لحسن الحظ أن بعضهم تشيع تشيعا سياسيا، فبقي موقفه في حدود التشيع السياسي على حد تعبير أخينا عبد القادر قلاتي...، واليوم الجزائر تقام بها حسينيات في مناطق مختلفة ومتنوعة، في تبسة وباتنة العاصمة وعين تيموشنت ووهران...إلخ. وكل ذلك قد لا يكون مهما، عندما لا يتجاوز الأمر حدود التدين الشخصي، أما إذا تجاوز الأمر الحد إلى ولاية الفقيه، الذي هو معتقد الدولة، فالأمر يصبح قضية دولة.

ورغم أن المذاهب الشيعية قد اندثرت في الجزائر مع اندثار النظام الفاطمي الطائفي، فإن التشيع قد عاد مع انتصار الثورة الإيرانية، بسبب تعاطف الجزائريين مع الثورة الإيرانية التي اعتبروها نموذجا للدولة الإسلامية الحرة.

إن الجمهورية الإسلامية الإيرانية، دولة ذات ثقل في المنطقة، ولها نفوذ كان المستفيد الأكبر منه قبل الثورة الولايات المتحدة، أما بعد الثورة فقد انتقلت فيه الفائدة الأكبر للشعب الإيراني، في إطار بناء وطني وتقوية الدولة الإيرانية ورفاه الشعب الإيراني، بعد سقوط العائلة الحاكمة وانهيار النظام الملكي. ولكن هذه الحقيقة والحق المشروع للشعب الإيراني، سوَّقه النظام الإيراني الجديد على أنه انتصار للإسلام، ودفاع عن المسلمين، مما خدع الكثير من المسلمين والقوى الحية في العالم، فتصريحات الإمام الخميني رحمه الله، بأنه قائد ثورة إسلامية لا شرقية وغربية، والإعلان بالدعم اللامشروط للقضية الفلسطينية، وغلق السفارة الفلسطينية؛ بل إن تصدير الثورة الذي أرعب نظم العالم الإسلامي، قد رحبت به الشعوب الإسلامية وتعاطفت معه، واعتبرته خطة جادة في التحرير الإسلامي.

ولكن لم يمض الكثير من الوقت ليفهم العالم والشعوب الإسلامية، أن الدولة الإيرانية دولة قوية وتملك رؤية لالتزاماتها المذهبية الطائفية في المنطقة، ولها طموحاتها في إطار الدور الذي عليها أن تؤديه وتفاوض به في المنطقة.. وبدأ يظهر كل ذلك في تحركاتها الكبيرة والصغيرة، الكلية والجزئية، مع دول الجوار وفي مواقفها مع غيرها من المناطق.

في لقاء لي مع مسؤول إيراني، وكان في حديثه معي يهون من الخلافات بين السنة والشيعة، فذكر لي جملة من المسائل الفقهية الخلافية بين السنة والشيعة، من التي يمكن تجاوزها بشيء من الفهم والتفهم، فقلت له: هذه الخلافيات وجد أكثر منها بين أهل المذاهب السنية، حيث بلغ الأمر، أنه لا يصلي بعضهم مع بعض، ولا يتزوج بعضهم من بعض، وربما كفر بعضهم بعضا، ولكن كل ذلك تجاوزناه بالعلم، فعندما تعلم الناس في الكليات والمحاضر العلمية والزوايا والمدارس القرآنية، تساقطت الكثير من الأوهام، واٍلآن لا جدل بين مالكي وشافعي أو حنبلي مع حنفي، وإنما تجد مصطلحات أخرى...، وكذلك مع الشيعة، فإن هذه الأمثلة التي ذكرت لا يمكن القضاء عليها وعلى ما بين السنة والشيعة من خلافات، بالمحاكاة وتعدادها والتهوين منها؛ لأن الذي يقضي عليها هو العلم، فبرفع مستوى الخطاب السني والشيعي نرتقي إلى مستوى معالجات الأمور، ولكن ما ليس مفهوما هو ماذا تريد إيران في المنطقة، بما تفعل في العراق ولبنان وسوريا؟ وما نوع العلاقة التي بين الكثير من المواطنين السنيين والسفارات هنا وهناك؟ فقال لي: إيران لا تريد إلا الإسلام..، فقلت له: هنا أختلف معك، فإيران قوية ولها مصالحها في المنطقة وتريد أن يكون لها نفوذ، ونحن نرفض أن تسوق هذه الرغبة الوطنية الإيرانية الجامحة باسم الإسلام.

إن أنشطة إيران في العالم الإسلامي لا علاقة لها بما كانت تسوقه باسم الإسلام، الذي كان سببا في جلب التعاطف الإسلامي والدعم الشعبي الجزائري المشار إليه آنفا، وإنما أضحت كلها تحركات في إطار المصالح المذهبية الطائفية الشيعية والمصلحة الوطنية في العالم، وهذا ليس مقصورا على الدول العربية السنية، وإنما هي الآن تنشط في إفريقيا بالأسلوب نفسه، الترويج للإسلام الشيعي، بجميع أبعاده الدينية والسياسية.

لقد أقامت إيران الثورة علاقة مع النظام السوري، منذ انتصار الثورة سنة 1979، واستمرت العلاقة إلى اليوم،  بحيث إن إيران اليوم تقاتل من أجل بقاء النظام السوري واستمراره، ولم تفعل مع دولة مثلما فعلت مع هذا النظام، لسبب واحد هو أن النظام السوري نظام طائفي، وعائلة الأسد مذهب من مذاهب الشيعة، تدعى النصيرية...، وعلى العكس تماما فعلت في العراق، فمنذ انتصار الثورة وإيران تحرض على إسقاط النظام العراقي، فحرضت الشيعة العراقيين على التمرد ودعمت وآوت ميليشياتها، واستمرت في عدوانها للنظام العراقي إلى غاية سقوط النظام، وهي الآن تعبث بالعراق، كدولة وحيدة في المنطقة لا شريك لها.

وعلاقتها بحزب الله في لبنان، لا يختلف كثيرا عن أسلوبها العام الذي عرفت به، فهي تدعم حزب شيعي له ولاؤه المطلق لإيران، ولكنها تسوق لهذا الدعم على أنه دعم للمقاومة ضد الصهاينة، بحيث لا يطلق الحزب رصاصة إلا وفق الأجندة الإيرانية، وكذلك تدعم المقاومة الإسلامية في فلسطين، حماس والجهاد، وتستعطف الفلسطيني الذي ضاقت عليه الأرض بما رحبت. والتنظيمات الفلسطينية الآن تعاني من الاختراق الشيعي، بأشكال متنوعة.

إن إيران في اعتقادي ليست جمعية خيرية فهي دولة تعمل لمصالحها، شأن كل دولة تريد أن يكون لها نفوذ في العالم، ولكن المستهجن منها هو العمل على اختراق المجتمعات باسم الإسلام والحسين والدفاع عن الحريات..، فإيران التي نريد هي إيران التي تحترم نفسها وتحترم غيرها، لا أن تعمل على استقرار بلادها، وتصدر أسباب الاضطراب إلى غيرها من بلاد المسلمين، وإذا كانت هي تريد أن تكون دولة على حساب العالمين، فلتتحمل مسؤوليتها، ولتعذر من دعمها في مراحل سابقة في الكشف عن نواياها السيئة، التي لا علاقة لها بالإسلام والحفاظ على واقع المسلمين؛ لأنها في النهاية قد فقدت المميزات التي توهمناها فيها، وأضحت مثل سائر دول العالم الأخرى التي لها مصالح تريد تحقيقها وكفى. 
0
النقاش (0)