مقالات مختارة

الصراع على أفغانستان .. بين «داعش» و«طالبان»

عبد الله المدني
1300x600
1300x600
يبدو أن المشهد العام في أفغانستان المنكوبة بالحروب الأهلية والانقسامات الجهوية والمذهبية منذ سقوط نظامها الملكي في مطلع سبعينيات القرن الماضي يتجه نحو مزيد من التدهور. أما السبب فهو ضعف الحكومة الحالية، التي لم تستطع أن تبسط نفوذها على كامل التراب الأفغاني رغم كل ما تلقاه من دعم دولي، إضافة إلى استمرار التدخلات الإقليمية في شؤونها الداخلية.

والتطور الجديد الذي طرأ على المشهد، ويتوقع له أن يلهب سعير الاقتتال الداخلي، لا يتمثل فقط في الضربات الموجعة التي توجهها ميليشيات حركة طالبان من حين إلى آخر إلى القوات النظامية والمنشآت الحكومية والمصالح الأجنبية، إنما يتمثل أيضا في الصراع المتنامي بين هذه الميليشيات والجماعات الموالية لتنظيم داعش الإرهابي، الذي استغل أخيرا الفوضى السائدة في هذه البلاد لتجنيد الأفغان من أجل القتال لمصلحته في المناطق المضطربة، مثل سورية والعراق وليبيا، خصوصا أن الأفغان لا يحتاجون إلى تدريب أو تأهيل، لأنهم متمرسون على القتال في الظروف الصعبة، وجاهزون للالتحاق بساحات القتال، بل ويسهل إقناعهم بالشعارات "الإسلامية" التي يرفعها "الدواعش".

ومثل هذه الأخبار تؤكدها حكومة كابول التي باتت تراقب بعين القلق الوضع في المناطق الشرقية من البلاد، خاصة إقليم هلمند، حيث شوهد بعض "الإرهابيين" المتمردين على "طالبان" وهم ينفقون الأموال من أجل تجنيد الشباب لمصلحة تنظيم داعش. والمفيد في هذا السياق الاستشهاد بتقرير ميداني نشرته أخيرا صحيفة الإندبيندنت البريطانية، وجاء فيه، على لسان أحد كبار القادة القبليين في شمال هلمند، أن كثيرين من شباب وأطفال الإقليم ــ بما فيهم ابنه الجامعي ــ تم تجنيدهم، وأن أعلام "داعش" السوداء وصور زعيمه أبوبكر البغدادي منتشرة في كل مكان.

أما الأسوأ من هذا فهو الأنباء التي انتشرت حول قيام بعض عناصر الجيش النظامي وقوات الشرطة الأفغانية بالالتحاق أيضا بصفوف "داعش" تحت إغراء المادة. والحقيقة أن ضعف الولاء وتدني المناقبية في الجيش النظامي الأفغاني المنهك وفي قوات الشرطة المحلية كان هو الثغرة التي استغلتها حركة طالبان طويلا من أجل الحصول على المعلومات السرية الخاصة بخطط الجيش وقوات الأمن وأماكن تمركز عناصرهما وسبل الوصول إلى قواعدهما، ناهيك عن استمالة بعض أفرادهما الأميين الفقراء من خلال تحريك الوازعين الديني والقبلي لديهم، ونشر قصص فساد قادتهم، إضافة إلى تحطيم معنوياتهم المحطمة أصلا بسبب تركهم أحيانا لمدد طويلة في المناطق المحفوفة بالمخاطر دون رواتب أو إمدادات كافية من الذخائر والمؤن الضرورية.

ولعل من الأدلة التي يمكن ذكرها في هذا السياق هو ما حدث في أواخر ديسمبر الماضي في منطقة "سانجين"، حينما ترك ثلاثة من قادة الجيش الأفغاني ومعهم 63 جنديا مواقعهم مع أسلحتهم وعرباتهم ومعداتهم من أجل الانضمام لصفوف طالبان. والمعروف أن "سانجين" الواقعة في إقليم هلمند خسرتها القوات الحكومية المدعومة بالقوات الأمريكية والبريطانية الخاصة لمصلحة الميليشيات الطالبانية في 21 ديسمبر 2015 من بعد قتال عنيف بين الجانبين استمر لمدة يومين. إلى ما سبق ولنفس الأسباب المشار إليها تم تسجيل كثير من الحالات التي تأخذ فيها عناصر من الجيش والشرطة إجازات قصيرة، فتذهب دون أن تعود إلى مواقع عملها، ليكتشف أنها انضمت إلى صفوف إحدى الميليشيات.

ويبدو أن تنظيم داعش يحاول الآن استنساخ ما فعلته حركة طالبان على مدى السنوات الماضية منذ خروجها من السلطة، لجهة استغلال الثغرات التي أشرنا إليها. ولعل هذا هو ما جعل الجيش الأفغاني يسارع إلى دق ناقوس الخطر وإرسال كبار جنرالاته "مثل الجنرال شحيم الذي يتولى اليوم منصب نائب وزير الداخلية" إلى إقليم هلمند في بعثة لتقصي الحقائق.

إن نجاح "داعش" في سحب البساط من تحت أقدام حركة طالبان، وبالتالي إيجاد قاعدة له في أفغانستان سيجلب صداعا أقوى مما سبق لكل الدول المحيطة بالأخيرة، خاصة باكستان "صاحبة النفوذ واليد الطولى في الشأن الأفغاني"، والهند "المنافسة التقليدية لباكستان في أفغانستان"، والصين "الملاصقة لأفغانستان من جهة إقليمها المسلم المضطرب المعروف باسم تركستان الشرقية"، وإيران "المعادية للدواعش بسبب الاختلافات المذهبية فقط"، إضافة إلى روسيا الاتحادية "القلقة من تسرب الدواعش إليها عبر جمهوريات آسيا الوسطى المحاذية لأفغانستان من الشمال كطاجيكستان وأوزبكستان وتركمانستان التي ينشط "الإرهابيون" فيها أصلا".

فهذه الدول كلها سواء في نظر "الدواعش"، لجهة الكفر والمروق واستحلال ثرواتها ودماء أبنائها. وها هو "التنظيم" قد بدأ فعلا مسلسله الدموي التخريبي في أفغانستان في 13 يناير الماضي حينما أعلن مسؤوليته عبر بيان لما يسمى بـ "ولاية خراسان" عن هجوم انتحاري ضد القنصلية الباكستانية، علما بأنه كان قد مهد لذلك بالسيطرة التدريجية على جلال أ باد، كبرى مدن ولاية ننغرهار، وقطع رؤوس عدد من مواطنيها بوحشية وعرضها على الملأ ترهيبا وتخويفا، وسبي نسائها، وفرض الضرائب على سكانها.

قلنا إن روسيا من بين الدول القلقة من تنامي نفوذ "الدواعش" في أفغانستان، وقد تجلى ذلك في تصريح المتحدث الرسمي باسم الخارجية الروسية ماريا زخاروفا، التي قالت بكل وضوح "إن بلادها تفكر جديا في عدد من السيناريوهات الكفيلة بالقضاء على ميليشيات "داعش" في أفغانستان. فهل سيفعلها الروس ويتدخلون مجددا في هذه البلاد، التي سبق أن تدخلوا فيها في نهاية سبعينيات القرن العشرين لأسباب مختلفة معروفة؟

عن صحيفة الاقتصادية السعودية
0
النقاش (0)