قضايا وآراء

نظام الأسد على عكازات خارجية

أسامة عثمان
1300x600
1300x600
تبجّح بشار الجعفري، ممثل النظام السوري في الأمم المتحدة، في لقاء مع الصحفيين أن نظامه يقبل بمحادثات، (لا بتفاوض)، مع المعارضة، بلا شروط مسبقة، وبلا تدخُّل خارجي، ثم أردف أنّ هذه الشروط: "فاتحة بالقرآن تبَعْنا"!

وللمرء أن يتساءل عن أيّ عقلية يَصْدُر هذا المدافع عن سلطة باتت أشبه بالأداة، أو الواجهة للتدخلات الروسية والإيرانية، بعد أن قفزت موسكو إلى الواجهة العلنية، ودون مواربة، بدأت تملي شروطها على كامل المشهد السوري، على المعارضة بالتدخُّل في الأعضاء، ومحاولتها فرض شخصيات كردية أقرب إلى نظام الأسد، وعلى النظام نفسه، في التدخّل في أعضاء الوفد، وتولّي الحديث باسمه، أو بالنيابة عنه؟!

والسؤال الذي يستحقّ الطرح هو: ماذا بقي لنظام الأسد من سلطة حقيقية؟ لو توقفت الثورة، على فرَض، إلى أيّ شيء سيعود (النظام)؟

إلى شعبٍ مُهجَّر (عدد المتضررين المحتاجين إلى المساعدة، وفق آخر الإحصاءات، 18 مليون سوري) وانقطاع 700 ألف طفل عن الدراسة، فضلا عن أكثر من 250 ألف قتيل، بحسب إحصائيات الأمم المتحدة، في 2015، ومدن منكوبة، كما حمص وحلب ودير الزور وغيرها، والأهم من كلِّ هذا نفوذ خارجي تغلغَل؛ أو حتى التنازع بين النفوذ الروسي والإيراني؟

لا مجال للحديث عن عقد اجتماعي بين السوريين، وبين النظام الذي ارتهن إلى دول خارجية ليست مبرّأة من الأطماع الخاصة. فليس في السياسة صداقات، إنما مصالح، وهذا ما كرّرته موسكو: أنها لا تتمسك بالأسد، ولا تدافع عنه، وإنما عن مصالحها القومية. وهي تحاول من خلال هذا الحضور انتزاع مكانة لها على المسرح الدولي، كما تغريها المكاسب الجيوسياسية، وفق ما نُشر عن الوثيقة السّرية الموقّعة بين روسيا ونظام الأسد (نشرها موقع حكومي روسي) التي تعطي روسيا حقّ التصرّف بحرية في كامل الجغرافيا السورية. وبموجب هذه الاتفاقية لا يستطيع السوريون دخول القواعد الروسية دون موافقة روسيا، ولا تتحمّل روسيا أيّ مسؤولية عما تُلحقه نشاطاتُها العسكرية من أضرار داخل سورية، فماذا يتبقّى من معاني (السيادة السورية)؟

لا يُعقل أن تتورّط موسكو إلى هذا الحدّ، حيث تُعلن حربا تطهيرية، وتمارس سياسة الأرض المحروقة، وقد نفّذ الطيران الروسي أكثر من 6000 طلعة فوق الأراضي السورية، ثم ترجع فقط بنفوذها السابق. إنها، في الواقع، اقتطعت من نفوذ النظام، بل إن المفترض، وهو ما ذكرته الأخبار، أنها أيضا تزاحم النفوذ الإيراني. وليس من فراغ، ولا بلا غاية، ولا بمعزل عن التوقيت، إعلانُ قائد الحرس الثوري الإيراني، محمد علي جعفري، عن تجهيز 200 ألف مقاتل في دول المنطقة، بما فيها سوريا. ولا أيضا بلا دلالة توالي تصريحات حزب الله عن خسائره البشرية في الحرب السورية، متزامنا هذا الإعلان- خلافا لسياسته السابقة- مع التدخّل الروسي العسكري المباشر.

وبعد هذه التطورات القسرية التي اعترت نظام الأسد، يحقُّ السؤال: ما طبيعة هذه الدولة التي بقيت؟ وما عقيدتها الوطنية الآن؟ هل لا تزال عروبية الطابع، بعد أن صار أقرب داعميها غير عرب، من إيران إلى روسيا؟ وهل ثمة فرصة لادّعاء أن العلاقة التي تربط بينها وبين هؤلاء الداعمين هي تحالف؟ بعد أن أُفرغت الدولة من محتواها، وفقدت القدرة الذاتية على الصمود؟

فلا تقوم التحالفات الحقيقية إلا بين دول ذات مستوى من النّدية، دول قادرة على دفع الدولة الحليفة على الوفاء بالتزاماتها. وفي حال اختلّ التوازن، أو انعدمت القدرة على تقديم المصالح المتقاربة، والقدرة على إيقاع الخسائر المتقاربة، فإن الحلف يتهدّد جِدّيا، فكيف تقوم بين طرف فقَد وجوده كدولة، ولم يعد يحتفظ إلا بما لا يزيد عن ربع الجغرافيا السورية؟ إن نظام الأسد لا يملك، والحالة هذه، إلا أن يتلقّى التوجيهات من موسكو، لا أن يكون حليفا.

وكيف لنظام الأسد (فيما لو تجاوزنا العروبة) أن يتلحَّف بلحاف الممانعة، وإيران تدخل في فصل جديد من العلاقات الإيجابية مع (الشيطان الأكبر)؟! وتدعو وترحّب بالشركات الأمريكية النفطية؟! فهذا الدور يحتّم على إيران أن تكون أكثر عقلانية وتهذيبا، وهي في طور التطبيع مع المجتمع الدولي، الأمريكي والأوروبي.

وكيف لنظام الأسد أن يتغطّى، في هذا البرد، بغطاء المقاومة، وروسيا لا تخفي تنسيقها مع إسرائيل، والأخيرة تنفّذ عمليات مهمة، وفق هذا التنسيق، وتمرّ، بما يشبه التفهُّم، على نظام الأسد، كما كان من تصفية حليف حزب الله سمير القنطار؟!

قد يقال: إن الأزمة السورية دُوِّلت، وإن الاتكاء على الخارج لا يتوقَّف على النظام، إذ هناك آلاف المقاتلين في صفوف الثوار من الخارج.. وقد يقال: إن هذا التدفق لا يدلُّ على هشاشة في النظام وسلطاته، إذ هناك تآمر دولي وإقليمي ضده، لكن المعروف أنه لولا الخلل الداخلي الكبير لما أمكن لهذا الخارج أن يتدخَّل، أو يدخل، ثم إن دول الجوار، كتركيا، ظلّت طيلة أشهر تحاول استصلاح نظام الأسد، وهو يجابه معارضة سلمية واسعة، قبل أن تقف صراحة وتطالب برحيل الأسد.

في النهاية، الشعب لا يحتاج، فيما لو انطوت صفحة الثورة (وهذا فرَضٌ نظري) -بأيِّ حال - إلى موجبات لشرعيّته، فيما يفتقر النظام الذي تآكَل، واستُلِب، إلى موجبات حقيقية لشرعيّته، ولا سيما بعد أن ألحق بالبلد والشعب كل هذا الدمار والخسران؛ فمن أين يتأتّى لبشار (الأوّل) أو لبشار الجعفري كلُّ هذا التبجح؟!
النقاش (0)