مقالات مختارة

«فوبيا» المجتمع السعودي.. «جاك الذيب»

محمد المزيني
1300x600
1300x600
«جاك الذيب جاك وليده».. مثل يطلقه «عوام نجد» على ما يخشونه ويخافون منه من دون تحديد هوية هذا الذئب أو الولد المخيف الذي حمل خصائص التربص والافتراس. 

المعنى هنا لا يحتمل أدنى تأويل، فهو يكاد يتجلى في كل طرائق حياتنا السلوكية القولية منها والعملية، فلو لم يكن لهذا الذئب القابع في عقولنا الذي لا تغيب عينه عنا في صحونا ونومنا، لانتقلنا مباشرة إلى حياة مختلفة تخلو من التعقيد أو المواربة، إلا أننا ومع تقدم أشكال حياتنا وأنماطها وطرائقها وأحداثها وبشكل ما ولأسباب مجهولة لم نستطع بعد بما يشبه العجز أو الإعاقة طرد هذا الذئب الباسط ذراعيه بتسيد كامل بوصيد عقولنا، ولئن سألت «عوامنا» عن هذا الذئب لما زادك إلا حيرة وخوفا، وسيقول لك باختصار «انتبه لا يكلك».

تركناه حتى تناسل بيننا وخلف «صبيان وبنات»، لقد تمكن بحيلته الخبيثة «التربص» من أن ينتزع كل خياراتنا في التغيير، حتى صير الخوف بيننا ركنا أساسا من أركان حياتنا فلبسناه كأثوابنا، فلا يمكن أن نرى الأشياء والأفكار والقيم والعادات والتقاليد إلا كما يمليها علينا، وحتى لا أزيد من حيرتكم، وكي لا تظنوا بي ظن السوء وتحيلوا مقاصدي إلى غير مجراها الطبيعي، فإني سأجلي لكم حقيقة هذه «الذئاب» التي عبثت بنا ردحا من الزمن ولا تزال، حتى انسلخت عقولنا عن رؤوسنا وأسلمنا قيادها إلى رعاة هذه الذئاب.

يا سادة يا كرام، لم نكن نسمع «عواءها» قبل ولوج تيار الصحوة الجارف الذي استحلى التعبير عنها بصراحة في أدبياته المشبوهة مقسما المجتمع إلى فسطاطين، الذكور يجسدون الذئاب المفترسة، والإناث النعاج المهددة بالافتراس، من هنا دق أول إسفين في جسد مجتمعنا، فبتنا لا نرانا إلا من خلال هذه الأقفاص الشائكة التي زرعت في عقولنا، أعني أقفاص النعاج وأقفاص الذئاب، من هنا انطلقت فعاليات التجريف الذهني والنفسي لمجتمع نشأ بسيطا وتلقائيا باستخدام الذاكرة القريبة بأساليب برغماتية خبيثة ملوحين بثورة جهيمان.

لم يتركوا لنا فرصة حتى للتفكير بحرية، كل شيء كان معدا لحملة مدروسة ومكثفة للسيطرة على قوى المجتمع، تجريف العقول واستزراع الأرواح بمحاصيل سامة غير صالحة للحياة، فلن ننسى ويجب ألا ننسى أن سدنتها الذين اعتلوا المنابر واستحلوا كل مناحي الحياة استفزوا فينا حمية دينية على مقاس أهوائهم، وغرفوا عقول الشباب وقلوبهم وتحكموا بها عن بعد وعن قرب، حتى أصبحوا لا يرون الحياة إلا من خلال أعين شيوخهم المتآمرين على حياتنا المتآمرين على حياة أتباعهم، فصاروا أقرب لهم من الأسرة ذاتها بما في ذلك الأب والأم، هذه حكاية طويلة ومعروفة نقرأ دلالاتها وإفرازاتها في كل حين. 

لعلنا اليوم كشفنا بحدود معينة ما كان يحاك لنا وأنها كانت تستبطن حراكا انقلابيا اشتملت عليه محاضراتهم وندواتهم وخطبهم، ما لم ننتبه له هو أن تلك الذئاب التي أصبحت في ما بعد «مستملسة»، ضاحكة بشوشة وناعمة ومتسامحة بعد كل هذا الخراب الذي أحدثته فينا وأفشلت صيرورة حياتنا الطبيعية لا تزال تستعمر عقولنا وكأنها نحتت فيها «أصنما» ذئبية «كخيال المآتة»، تهش بها كل إرادة جادة للتغيير.

لقد استعاضوا عن المنابر بمواقع التواصل الاجتماعي نرى ذلك عيانا في سلوك حياتنا اليومية وأخلاقنا حتى وإن ادعينا ظاهرينا أننا تخلصنا منها، فهذا لا يعدو كونه ادعاء لا تصادق عليه أفكارنا وأخلاقنا فنظرة الريبة والشك التي هي من أهم أدوات «الصحويين» لضبط المجتمع وأساليب التجسس على بعضنا البعض لقياس نبض الأمة بحسب مفهومهم الممنهج حتى اليوم يسكننا، لا بل يسيطر على حياتنا.

لا أحتاج إلى كثير من الدلائل والقرائن فأبسطها في متناول أيدينا يوميا، انظروا إلى مواقع التواصل الاجتماعي التي تعج اليوم بمنقولات دينية تعتمد على القص واللصق، كيف وصلتنا ومن يقبع خلفها ونحن في غفلة منا نمررها لبعضنا البعض من دون أن نفهم مغازيها، المهم أنها ذات إشارات دينية نقوم بتمريرها لبعضنا البعض كي ندرأ بها عنا مقالة السوء، بينما هي لا تعدو في أغلبها ذات الأساليب القديمة من أجل السيطرة والتخويف والتأليب التخويف التي مورست على عقلنا الجمعي، وهي فرز أول لثقافة الذئب المستبد بنا، لذلك تمرر الرسالة الواحدة عشوائيا إلى كل الناس، هل تصدقون أن بعضهم يمررها وهو تحت تأثير مخدر من نوع ما! 

هذه صورة بدائية واحدة، أما الصورة الأكثر تعقيدا هي ذاك الإشكال الماثل في ممارساتنا لحرياتنا، فترانا داخل هذا الوطن مختلفين تماما عن أخلاقنا وتصرفاتنا خارج الوطن، بمعنى أنهم خلقوا لنا أكثر من وجه وأكثر من صورة، وجعلونا جبريا أن نكون كذلك، ليس فقط لأننا نخاف الفضيحة أو نخشى التصنيف، بل لأننا لا نثق بأنفسنا ولا بعقولنا، ولأننا أصلا لم نستشعر حقيقة وجودنا البشري الإنساني، تهنا بين دهاليز المبادئ وأسوارها الخلفية، ما إن نتحرر منها واقعيا حتى ننسلخ منها على عجل ونعود إلى طبيعتنا الحقيقية التي تتيح لنا الرؤية بشمولية للحياة، وكذلك احتياجنا الحقيقي إلى الدين النقي، الذي يصلنا بالله من دون وسائط. 

هذا لا ينطبق فقط على عامة الناس بل خاصتهم من المتدينين أنفسهم، فما يحرمونه على الناس داخل البلد يحلونه لأنفسهم خارجه متخذين من الخلاف ذريعة لممارساتهم، كالحجاب وقيادة المرأة للسيارة والاختلاط، وحتى الغناء والموسيقى، وكأن بلادنا كتب عليها أن تعيش أبدا تحت وطأة أقصى أشكال التدين تطرفا في الفتوى من دون غيرها من البلدان، رأينا كيف أن الناس أخيرا بدأت تستجيب لكل مساحات الترفيه التي أتيحت لهم، ولأنها جاءت بحماية كاملة فإن الذئب المتربص بعقولنا «غفا» قليلا من دون إحداث جلبة، فمن يصطاد هذا الذئب ويريحنا منه إلى الأبد، حتما لن يكون سوى القوانين الصارمة التي تحمي عقول الناس وحرياتهم. 
0
النقاش (0)